فن التغافل: حكمة تحفظ المودة وتمنع تضخيم الصغائر مقدمة ليست الحكمة أن يلاحظ الإنسان كل شيء، ولا أن يعلّق على كل تصرف، ولا أن يحاسب الآخرين على كل صغيرة وكبيرة؛ بل من الحكمة أن يعرف متى يتكلم، ومتى ينصح، ومتى يتجاوز عن الهفوات التي لا تستحق الوقوف عندها، حفاظًا على المودة واستمرارًا للعلاقات الطيبة. فالحياة لا تخلو من الأخطاء، والناس متفاوتون في طباعهم وأفكارهم وعاداتهم، وما يراه أحدهم مهمًا قد يراه غيره أمرًا عابرًا لا يستحق النقاش. ولو جعل الإنسان نفسه رقيبًا على كل حركة وسكنة، ودقّق في كل كلمة وتصرف، وحوّل كل هفوة إلى قضية، لأتعب نفسه وأرهق من حوله، وربما حوّل بيته إلى مكان يسوده التوتر بدل السكينة. ومن هنا تأتي أهمية فن التغافل ، وهو أن يتعمد الإنسان تجاوز بعض الهفوات والأمور البسيطة، مع قدرته على ملاحظتها، من أجل غاية أسمى، كحفظ المودة، وتجنب النزاع، ومراعاة مشاعر الآخرين، وإعطائهم فرصة للتعلم والنضج. لكن التغافل ليس غفلة عن الواقع، ولا ضعفًا في الشخصية، ولا سكوتًا عن الظلم والحقوق الضائعة، وإنما هو حكمة في اختيار ما يستحق المعالجة، وما يكون تجاوزه أصلح وأقرب إلى الحكمة....
الرياء وخطورته في إبطال العمل الصالح: احفظ عملك كما تحرص على مالك مقدمة من أخطر الآفات التي تهدد العمل الصالح الرياء، وهو أن يعمل الإنسان الطاعة أو يقدم الخير طلبًا لنظر الناس ومدحهم ومكانتهم، بدلًا من أن يكون قصده رضا الله تعالى. وقد يبذل المرء جهدًا بدنيًا كبيرًا في الصلاة والصيام والعبادة، أو ينفق أمواله في الصدقات والمشروعات الخيرية، أو يتعب في تعليم الناس وإرشادهم وخدمتهم، ثم يعرّض ثواب عمله للخطر عندما يجعل نظر الناس وثناءهم غاية يسعى إليها. والخسارة الحقيقية ليست أن يفقد الإنسان مالًا أو منصبًا أو شهرة فحسب، بل أن يبذل عمره وطاقته وماله في أعمال كان يرجو أن تنفعه في آخرته، ثم يفسد أجرها بسبب فساد نيته أو طلبه ثناء الناس على حساب إخلاصه لله. فكما يحرص الإنسان على ماله من الضياع والسرقة والتلف، ينبغي أن يحرص على أعماله الصالحة من الآفات التي تنقص ثوابها أو تفسدها. وكما لا يرضى أن يعمل سنوات ليجمع مالًا ثم يضيعه بإهمال، فكيف يرضى أن يبذل سنوات في العبادة والإحسان ثم لا يعتني بالنية التي يتوقف عليها قبول العمل؟ إن الله تعالى أجل وأعظم من أن تُطلب رضاه بطاعته ثم يُجعل رضا ...