الغيبة: هي أن تذكر أخاك بما يكره من القول في ظهر الغيب، وهي مأخوذة من "الغياب" مقابل "الحضور"، لأنّ المغتاب – بالفتح – غير حاضر حال اغتيابه.
وتُعدّ الغيبة من أشدّ الأمراض القلبية ضراوةً على أخلاق المؤمن، وهي من أكثر المسائل رواجًا وانتشارًا بين الناس، كما أنها كالنار في الهشيم في حبط الأعمال الصالحة وغير ذلك، وسيأتي الحديث عن ذلك تباعًا إن شاء الله. وفيها عدة بحوث:
البحث الأول: انتهاك حرمة المؤمن
ركّزت الشريعة الإسلامية، من خلال أحكامها وتشريعاتها العظيمة وآدابها الشريفة، على إيجاد مجتمع مثالي يتّسم أفراده بالأخلاق والطهارة والتآلف، ومفارقة الأخلاق الفاسدة والعادات السيئة. وفي الوقت نفسه، أكّدت تأكيدًا كبيرًا على حرمة بذل الجهود والمساعي المنافية للشريعة، بهدف تمزيق أواصره، وتفريق وحدته، وتشتيت كلمته.
ومن الواضح أنّ المجتمع الناجح يستمدّ قوته وثباته بتكاتف أفراده، وتعاون عناصره، والدفاع عن حرماته، والالتزام بأحكامه. ومن أهمّ الأحكام التي أكّد عليها الشارع المقدّس: صيانة حرمة المؤمن، ولزوم حفظ مكانته وسمعته من الخدش.
وقد ورد في الحديث الشريف المشهور: "حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة". فالمؤمن هو لبنة مهمّة من المجتمع الإسلامي، وهدم مروءة المؤمن هو هدم لبناء المجتمع.
ولحفظ هذا البناء من الهدم أو التصدع، شُرعت قوانين صارمة وعقوبات شديدة للردع عن تقويضه أو تضعيفه.
ثم إنّ الأخوّة الإيمانية بين المؤمنين – بنصّ القرآن الكريم والروايات الشريفة – تُلزم بوجوب صيانة حرمة المؤمن، بل بوجوب الدفاع عنها في حال تعرّضها للهتك أو التشويه أو التقليل من شأنها.
والغيبة تُعد من أشدّ العوامل خطورةً في هتك سمعة المؤمن، وفي إسقاط منزلته ومكانته وشخصيته بين الناس. وهذا الفعل الشنيع يُولّد ويفرز حالةً سيئةً أخرى وآفةً سلبيّة جديدة في المجتمع، وهي: انعدام الثقة بين الأفراد، وانكشاف عيوب وعورات الآخرين، وكذلك سقوط المغتاب – بالفتح – من أعين الناس عند الاطّلاع على عيوبه.
فقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«من روى على مؤمن روايةً يريد بها شينه وهدم مروءته ليسقط من أعين الناس، أخرجه الله عزّ وجلّ من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان».
وأنّ الآية المباركة التي ورد فيها النهي عن الغيبة قد ذكرت مفردة الأخ للتنبيه والتذكير بأنّ هذا المغتاب – بالفتح – هو أخٌ لكم، فهل يصحّ اغتيابه وهتك حرمته؟
قال تعالى:
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾.
ورُوي عن الإمام الكاظم (عليه السلام):
«المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه».
ورُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«إنّما المؤمنون إخوة، بنو أب وأم، وإذا ضُرب على رجلٍ منهم عِرقٌ سهر له الآخرون».
فكما أنكم إذا رأيتم أحدًا منكم يأكل لحم أخيه ميتًا لا تحبّون ذلك الفعل لاستقذاره وكراهيته في نفوسكم، فكيف تحبّون أن تنالوا من أخيكم بالسوء، وبما لا يرضى من القول، وهو غائب غير حاضر؟!
فكان الأجدر بكم أن تمتعضوا وتكرهوا ذلك، مثلما تنفرون من أكل لحم الميت.
ومن هذه النتائج الخطيرة وغيرها، ورد النهي الصريح عن الغيبة، والوعيد الشديد لمن أتاها.
ورُوي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله):
«أتدرون ما الغيبة؟»
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «ذكرك أخاك بما يكره».
قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟
قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته».
وروي عنه (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر:
«يا أبا ذر، إياك والغيبة، فإن الغيبة أشدّ من الزنا...»
قلت: يا رسول الله، وما الغيبة؟
قال: «ذكرك أخاك بما يكره».
قلت: يا رسول الله، فإن كان فيه ما أقول؟
قال: «إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته».
البحث الثاني: الغيبة تُحبِط العمل
إنّ إحباط الأعمال الصالحة أمرٌ مهولٌ وعظيم، ويجب ألّا يستهين به أيُّ عاقلٍ ممّن يخشى الآخرةَ ومواقفها المخيفة، التي تأخذ بالقلوب والأبصار. وستأتي جملة من الشواهد على ذلك.
وممّا لا يخفى، أنّ المؤمن في دار الدنيا يبذل الطاقة الجسدية والمالية في العبادات والطاعات، ويسخّر ويكرّس ما لديه من الأمور المعنوية كالوجاهة، والقرابة، والعلم، وما شابه ذلك، ويأتي بكل ذلك لوجه الله تعالى. وقد يقضي عمره الثمين والطويل في السعي والجهد والعمل الصالح، ولكن للأسف، قلبه متمرض بداء الغيبة، فإذا جلس، أخذ يُسامر أخلاءه وأحبّاءه، وكانت فاكهته المفضّلة هي النيل من أعراض الناس وكشف عيوبهم!
والداهية الكبرى والمصيبة العظمى: أنّه كان قرير العين، ويشعر بالنشوة بأعماله الكثيرة الصالحة التي كانت تشعره بالارتياح والأمل والرجاء، وكان يظنّ أنه قد استعدّ لذلك اليوم العصيب!
فلو أنّ تاجرًا كبيرًا قد قضى عمره في العمل والجهد والمثابرة، حتى جمع ثروةً طائلة، وأموالًا هائلة، ملأت بها بنوك العالم، وكان يتصور هذا التاجر المسكين أن ما يملكه من ثروة كفيلٌ بأن يؤمّن له السعادة والرفاه طيلة عمره، وفي لحظةٍ من الغفلة واللهو وعدم المبالاة في تجارته، يخسر كل شيء، ويفقد ما جمعه! بل علاوةً على ذلك، يغرق بالديون التي تقصم الظهر.
إنّ هذه الخسارة الكبيرة لها وقعة وصدمة على نفس الإنسان، ولذلك نسمع أنّ البعض من هؤلاء يُقدم إمّا على الانتحار، أو تصيبه سكتة قلبية أو جلطة دماغية، فيموت كمدًا ولوعةً لشدة ما ألمّ به.
لكن مع هذه التبعات من الكمد والأسى والحزن التي نالت التاجر، فإنّه ما دام في دار الإمكان، قد يُوفَّق لتعويض ما أصابه من الخسران.
أما الخسارة العظمى والأسى الأشد، فهي حينما يخسر الفرد رأس ماله الحقيقي، وهو العمل الصالح، ويُحبط بسبب عدم التحصّن بالورع والخوف من الله سبحانه، مع أنّه في ذلك اليوم في أمسّ الحاجة إلى الزاد.
فمن المهمّ والضروري الإتيان بالأعمال الصالحة، ولكن الأهم هو المحافظة عليها من الإحباط.
وينبغي له أن ينأى بنفسه عن النيل من حرمة المؤمن، بل يكون هو المدافع عنها، وأن يفرّ من كل مجلس يكون سببًا للوقوع في آفة الغيبة، مهما واجه من كلامٍ لاذعٍ أو استفزازٍ جارح.
فالكلام الجارح خيرٌ وصدقةٌ له من مجالسة البطّالين.
وإنّ الفرار من تلك المجالس الشيطانية من أفضل العبادات والطاعات عند الله تعالى، لصون القلب من أن يتلوّث برذيلة الغيبة، وخشية التعرض لسخط الله سبحانه، ومن جهة أخرى: الخوف على الأعمال الصالحة من الإحباط.
البحث الثالث: الاستخفاف بالغيبة
إنّ عكوف كثير من الناس على ممارسة الغيبة، وعدم المبالاة بفداحة الذنب، وفقدان تأنيب الضمير، يكشف لنا – دون شك – الاستخفاف الجليّ بحقيقة الغيبة.
فالمُغتاب لم يَخشَ الله سبحانه، ولم يكترث بالآثار الوضعية المكلفة والخطيرة، العاجلة والآجلة، ولم يرعَ ذِمّة الأخوة الإيمانية التي هي في عُهدة المؤمنين، والتي يجب عليهم الحفاظ عليها وصيانتها من البغي.
وللأسف، مع ما تحمله بواطنُها من نيران مسعّرة، ترى الاستخفاف واللامبالاة بإلقاء النفس في تلك المهالك المفجعة والمواقف المخيفة!
فكيف يرضى عاقلٌ أن يجعل عِرض أخيه المؤمن مرمىً للطعن والهتك، لأجل المسامرة مع أبناء الدنيا؟ أو لأجل التشفّي وإسقاطه من أعين الآخرين؟
البحث الرابع: الغيبة آية العاجز والمنافق
إن من أخلاق وصفات المؤمن المباركة هو تحلّيه بالإقدام والشجاعة والوضوح والصراحة مع نوعه، بخلاف ما يقابلها كالجبن والنفاق والمراوغة، فالشرائع تُحرّمها، والطباع تنفر منها، والعاقل لا يرضى أن يتصف أو يُوصف بها. وفي الوقت نفسه، توجد بعض الأمراض القلبية والأخلاقية التي بدورها تكشف وتبيّن لنا أن جملة من الناس مصابون بأمراض وعلل أُخرى، لوجود بعض العلائق والارتباط فيما بين الأمراض الأخلاقية.
إذن، بعد هذه الوقفة المختصرة على الآثار الوضعية الخطيرة على عاقبة المؤمن في دنياه وآخرته، وآثارها السلبية المهلكة على المجتمع، فعلى المؤمن أن يجهد جهده ويسعى سعيه في صون لسانه من العقر في أعراض المؤمنين، والالتزام بالورع عن كشف عوراتهم، فإن التورّع عن أكل لحوم المؤمنين من أحب العبادات إلى الله تعالى.
البحث الخامس: الغيبة إدام أهل النار
تُبيّن أن عملية الغيبة تتكون من آكِل ومأكول؛ فالمغتِاب هو الآكِل للحوم الناس في غيبتهم، وهناك الميتة، وهو المأكول لحمه، الذي أصبح ضحية الخمش والجرح من قِبل المغتاب.
وسنورد، إن شاء الله تعالى، جملة من الأحاديث الشريفة التي تشير إلى هذه الحقيقة، حتى يتسنى للقارئ الوقوف على مدى وحجم الفاجعة التي تنتظر المغتاب يوم الحساب، وهو سادرٌ في غيّه، قابعٌ في جهله، غيرُ مكترثٍ بجريرته.
فمن الأحاديث الشريفة:
-
روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):"لما عُرج بي، مررتُ بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم!"فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟قال: "هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم".²⁴
-
روي عن الإمام علي (عليه السلام):"الغيبة قوت كلاب النار".²⁵
-
روي عن الإمام الحسين (عليه السلام) لرجل اغتاب عنده رجلًا:"يا هذا، كفّ عن الغيبة، فإنها إدام كلاب النار".²⁶
-
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):قال رجل لعلي بن الحسين (عليهما السلام): إن فلانًا ينسبك إلى أنك ضالّ مبتدع.فقال له علي بن الحسين (عليهما السلام):"ما رعيتَ حقّ مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أديتَ حقي حيث أبلغتني عن أخي ما لست أعلمه! ... إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب النار، واعلم أن من أكثر من ذكر عيوب الناس، شهد عليه الإكثار أنه إنما يطلبها بقدر ما فيه".²⁷
-
ورُوي عنه (عليه السلام):"إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب النار".²⁸
-
روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام):"ما سمع رجلا يغتاب آخر، إن لكل شيء إدامًا، وإدام كلاب الناس الغيبة".²⁹
تعليقات
إرسال تعليق