التخطي إلى المحتوى الرئيسي

﴿ وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ﴾[ سورة النجم: 34]

بحث حول ( الغيبة واثارها المهلكة )

الغيبة: هي أن تذكر أخاك بما يكره من القول في ظهر الغيب، وهي مأخوذة من "الغياب" مقابل "الحضور"، لأنّ المغتاب – بالفتح – غير حاضر حال اغتيابه.

وتُعدّ الغيبة من أشدّ الأمراض القلبية ضراوةً على أخلاق المؤمن، وهي من أكثر المسائل رواجًا وانتشارًا بين الناس، كما أنها كالنار في الهشيم في حبط الأعمال الصالحة وغير ذلك، وسيأتي الحديث عن ذلك تباعًا إن شاء الله. وفيها عدة بحوث:


البحث الأول: انتهاك حرمة المؤمن

ركّزت الشريعة الإسلامية، من خلال أحكامها وتشريعاتها العظيمة وآدابها الشريفة، على إيجاد مجتمع مثالي يتّسم أفراده بالأخلاق والطهارة والتآلف، ومفارقة الأخلاق الفاسدة والعادات السيئة. وفي الوقت نفسه، أكّدت تأكيدًا كبيرًا على حرمة بذل الجهود والمساعي المنافية للشريعة، بهدف تمزيق أواصره، وتفريق وحدته، وتشتيت كلمته.

ومن الواضح أنّ المجتمع الناجح يستمدّ قوته وثباته بتكاتف أفراده، وتعاون عناصره، والدفاع عن حرماته، والالتزام بأحكامه. ومن أهمّ الأحكام التي أكّد عليها الشارع المقدّس: صيانة حرمة المؤمن، ولزوم حفظ مكانته وسمعته من الخدش.

وقد ورد في الحديث الشريف المشهور: "حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة". فالمؤمن هو لبنة مهمّة من المجتمع الإسلامي، وهدم مروءة المؤمن هو هدم لبناء المجتمع.

ولحفظ هذا البناء من الهدم أو التصدع، شُرعت قوانين صارمة وعقوبات شديدة للردع عن تقويضه أو تضعيفه.

ثم إنّ الأخوّة الإيمانية بين المؤمنين – بنصّ القرآن الكريم والروايات الشريفة – تُلزم بوجوب صيانة حرمة المؤمن، بل بوجوب الدفاع عنها في حال تعرّضها للهتك أو التشويه أو التقليل من شأنها.

والغيبة تُعد من أشدّ العوامل خطورةً في هتك سمعة المؤمن، وفي إسقاط منزلته ومكانته وشخصيته بين الناس. وهذا الفعل الشنيع يُولّد ويفرز حالةً سيئةً أخرى وآفةً سلبيّة جديدة في المجتمع، وهي: انعدام الثقة بين الأفراد، وانكشاف عيوب وعورات الآخرين، وكذلك سقوط المغتاب – بالفتح – من أعين الناس عند الاطّلاع على عيوبه.

فقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«من روى على مؤمن روايةً يريد بها شينه وهدم مروءته ليسقط من أعين الناس، أخرجه الله عزّ وجلّ من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان».

وأنّ الآية المباركة التي ورد فيها النهي عن الغيبة قد ذكرت مفردة الأخ للتنبيه والتذكير بأنّ هذا المغتاب – بالفتح – هو أخٌ لكم، فهل يصحّ اغتيابه وهتك حرمته؟
قال تعالى:
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾.

ورُوي عن الإمام الكاظم (عليه السلام):
«المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه».

ورُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«إنّما المؤمنون إخوة، بنو أب وأم، وإذا ضُرب على رجلٍ منهم عِرقٌ سهر له الآخرون».

فكما أنكم إذا رأيتم أحدًا منكم يأكل لحم أخيه ميتًا لا تحبّون ذلك الفعل لاستقذاره وكراهيته في نفوسكم، فكيف تحبّون أن تنالوا من أخيكم بالسوء، وبما لا يرضى من القول، وهو غائب غير حاضر؟!
فكان الأجدر بكم أن تمتعضوا وتكرهوا ذلك، مثلما تنفرون من أكل لحم الميت.

ومن هذه النتائج الخطيرة وغيرها، ورد النهي الصريح عن الغيبة، والوعيد الشديد لمن أتاها.

ورُوي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله):
«أتدرون ما الغيبة؟»
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «ذكرك أخاك بما يكره».
قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟
قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته».

وروي عنه (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر:
«يا أبا ذر، إياك والغيبة، فإن الغيبة أشدّ من الزنا...»
قلت: يا رسول الله، وما الغيبة؟
قال: «ذكرك أخاك بما يكره».
قلت: يا رسول الله، فإن كان فيه ما أقول؟
قال: «إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته».


البحث الثاني: الغيبة تُحبِط العمل

إنّ إحباط الأعمال الصالحة أمرٌ مهولٌ وعظيم، ويجب ألّا يستهين به أيُّ عاقلٍ ممّن يخشى الآخرةَ ومواقفها المخيفة، التي تأخذ بالقلوب والأبصار. وستأتي جملة من الشواهد على ذلك.

وممّا لا يخفى، أنّ المؤمن في دار الدنيا يبذل الطاقة الجسدية والمالية في العبادات والطاعات، ويسخّر ويكرّس ما لديه من الأمور المعنوية كالوجاهة، والقرابة، والعلم، وما شابه ذلك، ويأتي بكل ذلك لوجه الله تعالى. وقد يقضي عمره الثمين والطويل في السعي والجهد والعمل الصالح، ولكن للأسف، قلبه متمرض بداء الغيبة، فإذا جلس، أخذ يُسامر أخلاءه وأحبّاءه، وكانت فاكهته المفضّلة هي النيل من أعراض الناس وكشف عيوبهم!

والداهية الكبرى والمصيبة العظمى: أنّه كان قرير العين، ويشعر بالنشوة بأعماله الكثيرة الصالحة التي كانت تشعره بالارتياح والأمل والرجاء، وكان يظنّ أنه قد استعدّ لذلك اليوم العصيب!

فيُؤتى بديوانه يوم القيامة، فلا يرى فيه حسناته الكثيرة التي كان قد عملها، وبذل ما بذل من العناء والمشقة لأجلها! بل الطامة الكبرى: أنّه يجد السيئات الكثيرة في سجله وملفّه، وهو لم يفعلها! وإنما أُخذت من سجلّ المغتاب – بالفتح – وأُضيفت إلى سجله!
فما أشدّ وأصعب هذه المواقف على الإنسان يوم الفصل.

إنّ إحباط الأعمال الصالحة ومحوها من المسائل الثابتة في القرآن الكريم وفي أحاديث أهل البيت عليهم السلام.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾
وقال تعالى:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.

ورُوي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله):
«يُؤتى بأحد يوم القيامة، فيُوقف بين يدي الله، ويُدفع إليه كتابه، فلا يرى حسناته، فيقول: إلهي، ليس هذا كتابي! فإني لا أرى فيه طاعتي!
فيُقال له: إن ربك لا يضل ولا ينسى، ذهب عملك باغتياب الناس.
ثم يُؤتى بآخر، ويُدفع إليه كتابه، فيرى فيه طاعات كثيرة، فيقول: إلهي، ما هذا كتابي؟ فإني ما عملت هذه الطاعات!
فيُقال: لأن فلانًا اغتابك، فدُفعت حسناته إليك».

ورُوي عنه (صلى الله عليه وآله):
«إن الرجل ليُؤتى كتابه منشورًا، فيقول: يا رب، فأين حسنات كذا وكذا عملتها؟ ليست في صحيفتي!
فيُقال: مُحيت باغتيابك الناس».

ورُوي عنه (صلى الله عليه وآله):
«الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الآكلة في جوفه».

إنّ الإمعان والنظر والتدبّر في قضية حبط الأعمال وحقيقتها، وما تكتنفه من مخاطر جليلة ونتائج مخيفة وشدّة الواقعة وفجأة الصدمة التي تُبهت الإنسان يوم المحشر، لجديرةٌ أن لا تغيب عن فكر وقلب كل عاقل يخاف من عظمة الورود، وشدة المواقف، وكثرتها وتنوعها.
وهذه الحقيقة لا يمكن إنكارها ولا التشكيك فيها بعد ثبوتها في الآيات والروايات.

فلو أنّ تاجرًا كبيرًا قد قضى عمره في العمل والجهد والمثابرة، حتى جمع ثروةً طائلة، وأموالًا هائلة، ملأت بها بنوك العالم، وكان يتصور هذا التاجر المسكين أن ما يملكه من ثروة كفيلٌ بأن يؤمّن له السعادة والرفاه طيلة عمره، وفي لحظةٍ من الغفلة واللهو وعدم المبالاة في تجارته، يخسر كل شيء، ويفقد ما جمعه! بل علاوةً على ذلك، يغرق بالديون التي تقصم الظهر.

إنّ هذه الخسارة الكبيرة لها وقعة وصدمة على نفس الإنسان، ولذلك نسمع أنّ البعض من هؤلاء يُقدم إمّا على الانتحار، أو تصيبه سكتة قلبية أو جلطة دماغية، فيموت كمدًا ولوعةً لشدة ما ألمّ به.

لكن مع هذه التبعات من الكمد والأسى والحزن التي نالت التاجر، فإنّه ما دام في دار الإمكان، قد يُوفَّق لتعويض ما أصابه من الخسران.

أما الخسارة العظمى والأسى الأشد، فهي حينما يخسر الفرد رأس ماله الحقيقي، وهو العمل الصالح، ويُحبط بسبب عدم التحصّن بالورع والخوف من الله سبحانه، مع أنّه في ذلك اليوم في أمسّ الحاجة إلى الزاد.

ذلك العالم هو يوم بروز البضائع والسلع الثمينة، فمن حفظ بضاعته من التلف، وجاء بها مصونةً محفوظة، كان له الأمن من فزع ذلك اليوم.
قال تعالى:
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾.

فمن المهمّ والضروري الإتيان بالأعمال الصالحة، ولكن الأهم هو المحافظة عليها من الإحباط.

ورُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
«إياك والغيبة، فإنها تمقتك إلى الله والناس، وتحبط أجرك».

إذن، بعد هذه الحقائق الثابتة التي لا تقبل النكران، يلزم على المؤمن أن يعيش حالة اليقظة والحذر.
فإن الغيبة وباقي مساوئ الأخلاق بمثابة أمراض قاتلة، تُتلف حصاد السنين، وتجعل العمل الصالح كالرماد المتطاير في مهبّ الرياح.

وينبغي له أن ينأى بنفسه عن النيل من حرمة المؤمن، بل يكون هو المدافع عنها، وأن يفرّ من كل مجلس يكون سببًا للوقوع في آفة الغيبة، مهما واجه من كلامٍ لاذعٍ أو استفزازٍ جارح.

فالكلام الجارح خيرٌ وصدقةٌ له من مجالسة البطّالين.

ورُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
«لا يسوءنّك ما يقول الناس فيك، فإنّه إن كان كما يقولون كان ذنبًا عُجّلت عقوبته، وإن كان على خلاف ما قالوا كانت حسنةً لم تعملها».

وإنّ الفرار من تلك المجالس الشيطانية من أفضل العبادات والطاعات عند الله تعالى، لصون القلب من أن يتلوّث برذيلة الغيبة، وخشية التعرض لسخط الله سبحانه، ومن جهة أخرى: الخوف على الأعمال الصالحة من الإحباط.


البحث الثالث: الاستخفاف بالغيبة

إنّ عكوف كثير من الناس على ممارسة الغيبة، وعدم المبالاة بفداحة الذنب، وفقدان تأنيب الضمير، يكشف لنا – دون شك – الاستخفاف الجليّ بحقيقة الغيبة.

فالمُغتاب لم يَخشَ الله سبحانه، ولم يكترث بالآثار الوضعية المكلفة والخطيرة، العاجلة والآجلة، ولم يرعَ ذِمّة الأخوة الإيمانية التي هي في عُهدة المؤمنين، والتي يجب عليهم الحفاظ عليها وصيانتها من البغي.

إنّ الغيبة لا تُكلّف مريدها جهدًا أو عناءً، فهي سلسة وسهلة التحقّق؛ فبكلمة، أو بهَمْزة، أو بإشارة، يتحقّق عنوان الغيبة.
ولكن مع سهولتها، فإنها تنطوي على آثار جسيمة، وعواقب أليمة.

وللأسف، مع ما تحمله بواطنُها من نيران مسعّرة، ترى الاستخفاف واللامبالاة بإلقاء النفس في تلك المهالك المفجعة والمواقف المخيفة!

فكيف يرضى عاقلٌ أن يجعل عِرض أخيه المؤمن مرمىً للطعن والهتك، لأجل المسامرة مع أبناء الدنيا؟ أو لأجل التشفّي وإسقاطه من أعين الآخرين؟

ورُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
«العاقل من صان لسانه عن الغيبة».

ورُوي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام):
«رُبّ مغرورٍ مفتون، يصبح لاهياً ضاحكًا، يأكل ويشرب، وهو لا يدري، لعله قد سبقت له من الله سَخَطَة، يُصلى بها نار جهنم».

البحث الرابع: الغيبة آية العاجز والمنافق

إن من أخلاق وصفات المؤمن المباركة هو تحلّيه بالإقدام والشجاعة والوضوح والصراحة مع نوعه، بخلاف ما يقابلها كالجبن والنفاق والمراوغة، فالشرائع تُحرّمها، والطباع تنفر منها، والعاقل لا يرضى أن يتصف أو يُوصف بها. وفي الوقت نفسه، توجد بعض الأمراض القلبية والأخلاقية التي بدورها تكشف وتبيّن لنا أن جملة من الناس مصابون بأمراض وعلل أُخرى، لوجود بعض العلائق والارتباط فيما بين الأمراض الأخلاقية.

فمن تلك الأمراض داء الغيبة، فالغيبة كاشفة عن أن المغتاب مصاب بالعجز والنفاق؛ فالذي يفقد الشجاعة والإقدام في مصارحة المغتاب - بالفتح – لا تسعه الحيلة إلا بالتجهم على أخيه المؤمن في حال غيبته، كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
"الغيبة جهد العاجز".¹⁷

فإن المصارحة والمكاشفة بين المؤمنين علاج ناجع في حلّ كثير من المشاكل والخلافات فيما بينهم، بخلاف لجوء كلاهما أو أحدهما إلى الطعن بالآخر بظهر الغيب بما لا يرضى من القول، فهذا هو الممنوع والمحظور.
وهذا المرض، أي الغيبة، يكشف أيضًا أن المغتاب مصاب بداء النفاق، وذلك بإظهار المودة والمحبة والاحترام والإطراء في حال حضور أخيه المؤمن، ولكن ما إن يغيب أخوه عن ناظره، أخذ بأكل لحمه بما لا يرضى من القول.

روُي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
"الغيبة آية المنافق".¹⁸

وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام):
"بئس العبد عبدٌ يكون ذا وجهين وذا لسانين، يُطري أخاه شاهدًا ويأكله غائبًا، إن أُعطي حسده، وإن ابتُلي خذله".¹⁹

إذن، بعد هذه الوقفة المختصرة على الآثار الوضعية الخطيرة على عاقبة المؤمن في دنياه وآخرته، وآثارها السلبية المهلكة على المجتمع، فعلى المؤمن أن يجهد جهده ويسعى سعيه في صون لسانه من العقر في أعراض المؤمنين، والالتزام بالورع عن كشف عوراتهم، فإن التورّع عن أكل لحوم المؤمنين من أحب العبادات إلى الله تعالى.

فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):
"ترك الغيبة أحب إلى الله عز وجل من عشرة آلاف ركعة تطوعًا".²⁰


البحث الخامس: الغيبة إدام أهل النار

إن الآية الكريمة التي أشارت إلى حرمة الغيبة، وهو قوله تعالى:
"أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه".²¹

تُبيّن أن عملية الغيبة تتكون من آكِل ومأكول؛ فالمغتِاب هو الآكِل للحوم الناس في غيبتهم، وهناك الميتة، وهو المأكول لحمه، الذي أصبح ضحية الخمش والجرح من قِبل المغتاب.

وإن المتتبع والواقف على جملة من الآيات الكريمة والروايات الشريفة التي تناولت المعاصي وعقوباتها، سيلاحظ التناسب والتشابه بين نوع المعصية ونوع العقوبة. فعلى سبيل المثال، فيما يخص موضوع الغيبة:
إن المغتاب – بالكسر – وهو الجاني، فهو آكل لحم أخيه ميتًا.
والمغتاب – بالفتح – هو الضحية، المأكول لحمه.
فالعقوبة الأخروية التي وردت في الأحاديث الشريفة والتي تنال المغتاب، تماثل وتشابه هذا الفعل الشنيع القبيح، وهي أن يكون الآكِل مأكولًا، وقوتًا وإدامًا، ولكن ليس لأهل النار، بل لكلاب أهل النار.

وسنورد، إن شاء الله تعالى، جملة من الأحاديث الشريفة التي تشير إلى هذه الحقيقة، حتى يتسنى للقارئ الوقوف على مدى وحجم الفاجعة التي تنتظر المغتاب يوم الحساب، وهو سادرٌ في غيّه، قابعٌ في جهله، غيرُ مكترثٍ بجريرته.

أما المؤمن العاقل، فيترفّع ويتنزّه وينأى بنفسه عن مستنقع الجهالات، كما أشار إلى ذلك الإمام علي (عليه السلام):
"العاقل من صان لسانه عن الغيبة".²²
وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
قلت له: ما العقل؟
قال: "ما عُبد به الرحمن، واكتُسب به الجنان".²³


فمن الأحاديث الشريفة:

  1. روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):
    "لما عُرج بي، مررتُ بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم!"
    فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟
    قال: "هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم".²⁴

  2. روي عن الإمام علي (عليه السلام):
    "الغيبة قوت كلاب النار".²⁵

  3. روي عن الإمام الحسين (عليه السلام) لرجل اغتاب عنده رجلًا:
    "يا هذا، كفّ عن الغيبة، فإنها إدام كلاب النار".²⁶

  4. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
    قال رجل لعلي بن الحسين (عليهما السلام): إن فلانًا ينسبك إلى أنك ضالّ مبتدع.
    فقال له علي بن الحسين (عليهما السلام):
    "ما رعيتَ حقّ مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أديتَ حقي حيث أبلغتني عن أخي ما لست أعلمه! ... إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب النار، واعلم أن من أكثر من ذكر عيوب الناس، شهد عليه الإكثار أنه إنما يطلبها بقدر ما فيه".²⁷

  5. ورُوي عنه (عليه السلام):
    "إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب النار".²⁸

  6. روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام):
    "ما سمع رجلا يغتاب آخر، إن لكل شيء إدامًا، وإدام كلاب الناس الغيبة".²⁹


1-الاختصاص ص 20 2- الحجرات اية 12 3- كتالب المؤمن ص 29 4- اعلام الدين في صفات المؤمنين ص 25 5- ميزان الحكمة ص 411 6-نفس المصدر 7- سورة الحجرات اية 2 8- سورة الفرقان اية 23 9- ميزان الحكمة ص 410 10- نفس المصدر 11-نفس المصدر 12-سورة النمل اية 89 14- غرر الحكم ص 143 15- غرر الحكم ص 331 16- غرر الحكم ص 12 17- ميزان الحكمة ج7 ص 282 18- غرر الحكم ص 143 19- نفس المصدر 20- ميزان الحكمة ج 1ص 455 21-مستدرك سفينة البحار ص 91 22- سورة الحجرات اية . 12 23- غرر الحكم ص 12 24- وسائل الشيعة ج 15 ص 190 24- ميزان الحكمة ج 7ص 406 25- غرر الحكم ص 143 26- ميزان الحكمة ص408 27- مشكاة الانوار ص 248 28- ميزان الحكمة ج 7 ص408 29- نفس المصدر 

تعليقات

المتابعون

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حرز الامام الجواد عليه السلام هو نافع لدفع شر الجن والانس والحسد والشرور الكثيرة

  بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ اللَّهُمَّ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّوحِ وَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ قَاهِرَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ وَ خَالِقَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ مَالِكَهُ كُفَّ عَنَّا بَأْسَ أَعْدَائِنَا وَ مَنْ أَرَادَ بِنَا سُوءاً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ أَعْمِ أَبْصَارَهُمْ وَ قُلُوبَهُمْ وَ اجْعَلْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ حِجَاباً وَ حَرَساً وَ مَدْفَعاً إِنَّكَ رَبُّنَا لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ لَنَا إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا وَ إِلَيْهِ أَنَبْنَا وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ- رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ رَبَّنَا عَافِنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ‏ آخِذٌ بِناصِيَتِها وَ مِنْ شَرِّ مَا يَسْكُنُ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ سُوءٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَ إِلَهَ الْمُرْسَلِينَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ أَ...

احاديث اهل البيت في النفاق

نقلا عن كتاب ميزان الحكمة لريشهري   الإمام علي (عليه السلام) : النفاق يفسد الإيمان .  عنه (عليه السلام): النفاق أخو الشرك. - عنه (عليه السلام): النفاق توأم الكفر ). -  رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن النفاق يبدو لمظة سوداء، فكلما ازداد النفاق عظما ازداد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب . النفاق شين الأخلاق  -  الإمام علي (عليه السلام) : النفاق شين الأخلاق. - عنه (عليه السلام): ما أقبح بالإنسان ظاهرا موافقا، وباطنا منافقا! . - عنه (عليه السلام): ما أقبح بالإنسان أن يكون ذا وجهين! . - عنه (عليه السلام): الخيانة رأس النفاق . علة النفاق    الإمام علي (عليه السلام) : نفاق المرء من ذل يجده في نفسه . - عنه (عليه السلام): النفاق من أثافي الذل . - عنه (عليه السلام):  الكذب  يؤدي إلى النفاق . صفة  المنافق   -  الإمام علي (عليه السلام) :  المنافق  لنفسه مداهن، وعلى الناس طاعن . - عنه (عليه السلام):  المنافق  قوله جميل، وفعله الداء الدخيل . - عنه (عليه السلام):  المنافق  لسانه يسر، وقلبه يضر . - ع...

دُعاء القدحِ عظيمُ الشأنِ مكتوب

  دُعَاءُ الْقَدَحِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ وَ بِاللَّهِ وَ بِاسْمِهِ الْمُبْتَدَإِ رَبِّ الْآخِرَةِ وَ الْأُولَى لَا غَايَةَ لَهُ وَ لَا مُنْتَهَى رَبِّ الْأَرْضِ وَ السَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ. لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ مٰا تَحْتَ الثَّرىٰ. وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفىٰ اللَّهُ عَظِيمُ الْآلَاءِ دَائِمُ النَّعْمَاءِ قَاهِرُ الْأَعْدَاءِ [رَحِيمٌ بِخَلْقِهِ] عَاطِفٌ بِرِزْقِهِ مَعْرُوفٌ بِلُطْفِهِ عَادِلٌ فِي حُكْمِهِ عَالِمٌ فِي مُلْكِهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ رَحِيمُ الرُّحَمَاءِ- عَالِمُ الْعُلَمَاءِ صَاحِبُ الْأَنْبِيَاءِ غَفُورُ الْغُفَرَاءِ قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ سُبْحَانَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْوَاحِدِ الْحَمِيدِ ذِي الْعَرْشِ الْمَجِيدِ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ رَبِّ الْأَرْبَابِ وَ مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ وَ سَابِقِ الْأَسْبَاقِ وَ رَازِقِ الْأَرْزَاقِ وَ خَالِقِ الْأَخْلَاقِ قَادِرٍ عَلَى مَا يَشَاءُ مُقَدِّرِ الْمَقْدُورِ وَ قَا...

بحث حول النفاق

النفاق : هو ان يظهر الانسان شيئا حسنا من عمل او فعل او قول بخلاف ما يضمره في باطنه فالمنافق له حالتان حالة ظاهرية توافقية مع الناس وحالة باطنية تغاير ظاهريته ، وقد اشار امير المؤمنين عليه السلام الى هذا المعنى بقوله( ما أقبح بالإنسان ظاهرا موافقا و باطنا منافقا 1 . وهذه الازدواجية في التعامل ناشئة من دواعي كثيرة في نفس المنافق سيأتي الحديث عنها لاحقا ان شاء الله تعالى . والنفاق تارة يكون في العقيدة كأن يظهر المنافق الإيمان بأصول الدين كالتوحيد والمعاد والنبوة ويظهر التزامه بفروع الدين كالصلاة والصوم ولكنه باطنه يخادع الله ورسوله والناس وما يخادع إلا نفسه قال تعالى ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) 2 وقوله تعالى ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ( 142 ) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا...

بحث حول ( اهمية التوبة )

إن التوبة كالماء الذي ينزل من السماء على الارض الميتة فيكسوها الحياة بعد الممات وكذا القلب التائب بعد أن هيّأ ارضية قلبه -من خلال الندم والتوبة والاستغفار - بأن تكون خصبة صالحة للتطهير والتزكية ما ان تنهمر على قلبه سحائب الرحمة ومفاتيح الرأفة فتحي القلب بالحياة بعد الممات والنور بعد الظلمات واليقظة بعد الغفلة والسبات.  فالقرآن الكريم يِعدّ الغارق في مستنقع الذنوب والكنود انه ميت الأحياء وأنه في ظلمات ليس بخارج منها إلا بالأوبة والنزوع عن الحوبة قال تعالى ( أ َوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ . 1 فالتوبة هي رجوع العبد إلى دوحة الرحمة والعفو والغفران مما فرّط في حق ربه من الذنوب والعصيان ، وأن فتح باب التوبة أمام عباده العاصين وقبولها لهي من أعظم النعم والمنح النازلة من فيض رحمته الواسعة على عباده التائبين روي عن الإمام علي (عليه السلام): من تاب تاب الله عليه وأمرت جوارحه أن تستر عليه، وبقاع الأرض أن تكتم عليه، وأنسيت الحفظة ما كانت تكتب عليه 2 . وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) وقد سمعه معاوية بن وهب يقول : إذا تاب...

بحث حول لقمة الحرام وتاثيرها على قلب المؤمن

لا شك ان هناك علائق وروابط بين الامور المادية والمعنوية بحيث نلاحظ تأثير أحدهما على الآخر فانشراح القلب وانبساطه عامل دفع ومحرك نحو العمل وضيق الصدر وقسوته وظلمته عامل مثّبط للعمل  . وكذلك الكلام في مسالة لقُمة الحرام وتاثيرها الفاعل في تلويث القلب وما لها من الآثار الوضعية على القلب بحيث يعمى القلب عن رؤية الحق واستماع للحق واتباع الحق ومثقلة للعبادات وسالبة للتوفيق   ومن الإشارات إلى هذه النكتة كلام الإمام الحسين عليه السلام مع جيش ابن سعد قبل أن يلتقي المعسكران قال سلام الله عليه ((... وَيْلَكُمْ ما عَلَيْكُمْ اَنْ تَنْصِتُوا اِلَيّ فَتَسْمَعُوا قَوْلي وَاِنَّما اَدْعُوكُم الى سَبيلِ الرَّشادِ فَمَنْ اَطاعَنِي كانَ مِنَ الْمُرْشَدِينَ وَمَنْ عَصانِي كانَ مِنَ الْمُهْلَكِينَ وَكُلُّكُمْ عاصٍ لأمري غَيْرُ مُسْتَمِعٍ لِقَوْلي قَدِ انْخَزَلَتْ عَطِيّاتُكُمْ مِنَ الْحَرامِ وَمُلِئَتْ  بُطُونُكُمْ مِنَ الْحَرام فَطَبعَ اللّهُ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيْلَكُمْ اَلا تَنْصِتُونَ اَلا تَسْمَعُونَ؟... تَبّاً لَكُمْ اَيَّتها الْجَماعَةُ وَتَرَحاً .  1 ولقد ضرب القرآن الكري...