التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فن التغافل: حكمة تحفظ المودة وتمنع تضخيم الصغائر

  فن التغافل: حكمة تحفظ المودة وتمنع تضخيم الصغائر مقدمة ليست الحكمة أن يلاحظ الإنسان كل شيء، ولا أن يعلّق على كل تصرف، ولا أن يحاسب الآخرين على كل صغيرة وكبيرة؛ بل من الحكمة أن يعرف متى يتكلم، ومتى ينصح، ومتى يتجاوز عن الهفوات التي لا تستحق الوقوف عندها، حفاظًا على المودة واستمرارًا للعلاقات الطيبة. فالحياة لا تخلو من الأخطاء، والناس متفاوتون في طباعهم وأفكارهم وعاداتهم، وما يراه أحدهم مهمًا قد يراه غيره أمرًا عابرًا لا يستحق النقاش. ولو جعل الإنسان نفسه رقيبًا على كل حركة وسكنة، ودقّق في كل كلمة وتصرف، وحوّل كل هفوة إلى قضية، لأتعب نفسه وأرهق من حوله، وربما حوّل بيته إلى مكان يسوده التوتر بدل السكينة. ومن هنا تأتي أهمية فن التغافل ، وهو أن يتعمد الإنسان تجاوز بعض الهفوات والأمور البسيطة، مع قدرته على ملاحظتها، من أجل غاية أسمى، كحفظ المودة، وتجنب النزاع، ومراعاة مشاعر الآخرين، وإعطائهم فرصة للتعلم والنضج. لكن التغافل ليس غفلة عن الواقع، ولا ضعفًا في الشخصية، ولا سكوتًا عن الظلم والحقوق الضائعة، وإنما هو حكمة في اختيار ما يستحق المعالجة، وما يكون تجاوزه أصلح وأقرب إلى الحكمة....

الإعجاب بالنفس: داء خفي يُفسد القلب ويحجب الإنسان عن رؤية تقصيره



الإعجاب بالنفس: داء خفي يُفسد القلب ويحجب الإنسان عن رؤية تقصيره

مقدمة

من الآفات الأخلاقية الخطيرة التي قد تصيب الإنسان الإعجاب بالنفس، وهو أن يرى المرء نفسه بعين الرضا المفرط، ويستعظم ما لديه من علم أو مال أو جمال أو عقل أو مكانة أو عبادة أو أخلاق، حتى ينسى فضل الله عليه، ويغفل عن عيوبه وتقصيره، وربما نظر إلى الآخرين نظرة استعلاء وانتقاص.

وهذا الداء لا يختص بأصحاب الأموال والسلطة، ولا يقتصر على المتكبرين الذين يتباهون بما يملكون، بل قد يصيب العالم بعلمه، والعابد بعبادته، وصاحب الأخلاق بأخلاقه، والمتحدث بفصاحته، والناجح بإنجازه، والوالد بأبنائه، وصاحب المكانة بقربه من أهل العلم أو المسؤولين.

وقد يكون الإعجاب بالنفس خفيًا لا يظهر في الكلمات والتصرفات بوضوح، لكنه يستقر في القلب، فيجعل الإنسان يستعظم أعماله، ويقلل من شأن أعمال الآخرين، ويستثقل النصيحة، ويغضب إذا لم يُقدَّر، ويبحث عن الاعتراف بفضله ومكانته.

ومن هنا تبرز ضرورة محاسبة النفس، وتربيتها على التواضع، واستحضار نعم الله، وتذكر التقصير، حتى لا يتحول ما يملكه الإنسان من نعم إلى أسباب للغرور والابتعاد عن الحق.

أولًا: ما المقصود بالإعجاب بالنفس؟

الإعجاب بالنفس هو أن يستعظم الإنسان ما يصدر عنه أو ما يمتلكه من صفات ومزايا، ويرى نفسه مستحقًا للإعجاب بسببها، مع الغفلة عن فضل الله عليه، أو عن نقائصه وحاجته الدائمة إلى التوفيق والإصلاح.

وقد يعجب الإنسان بعلمه، فيظن أنه بلغ منزلة لا يحتاج معها إلى التعلم من غيره. وقد يعجب بماله، فيرى أن الغنى دليل على تفوقه على الآخرين. وقد يعجب بجماله أو قوته أو نسبه أو أولاده، فيجعل هذه الأمور أساسًا لتقدير نفسه وتقييم الناس.

وقد يعجب بعبادته، فيرى نفسه أفضل من غيره بسبب كثرة صلاته أو صيامه أو صدقاته، وينسى أن قبول العمل أمر لا يملكه الإنسان بمجرد أدائه، وأن العبرة بالإخلاص والتقوى والاستقامة.

والإعجاب بالنفس يختلف عن معرفة الإنسان لقدراته أو تقديره لجهده؛ فالثقة بالنفس مطلوبة إذا كانت قائمة على معرفة واقعية بالإمكانات، ومصحوبة بالتواضع والاستعداد للتعلم. أما الإعجاب المذموم فهو الذي يحول النعمة إلى وسيلة لاستعلاء الإنسان على غيره أو استغنائه عن الحق والنصيحة.

ثانيًا: إبليس نموذج خطير للغرور والاستعلاء

من أبرز النماذج القرآنية التي تكشف خطورة الكبر والاستعلاء موقف إبليس حين أمره الله بالسجود لآدم، فامتنع متعاليًا، واحتج بأصل خلقه، فقال تعالى:

﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (ص: 76).

لم ينظر إبليس إلى حقيقة الأمر الإلهي، ولم يخضع للحق، بل جعل ما يتوهمه من أفضلية أصل خلقه مبررًا لرفض الطاعة.

وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج الإعجاب بالنفس: أن ينشغل الإنسان بما يراه من فضله حتى يعمى عن الحق، ويصبح أسيرًا لصورة متضخمة عن ذاته.

فالمشكلة لم تكن مجرد اعتقاد إبليس أن النار أفضل من الطين، بل تمثلت أيضًا في استكباره ورفضه الامتثال لأمر الله. ولذلك قال تعالى:

﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 34).

وهذا درس عظيم للإنسان؛ فقد تكون لديه خصال حسنة أو قدرات متميزة، لكن ذلك لا يبرر له رد الحق أو احتقار الآخرين. فليس معيار الكرامة عند الله ما يتوهمه المرء من تفوقه، وإنما التقوى والاستقامة والخضوع للحق.

ومن تأمل قصة إبليس أدرك أن طول العبادة أو امتلاك بعض المزايا لا يمنح الإنسان حصانة من السقوط إذا استسلم للكبر والاستعلاء.

ثالثًا: الإعجاب بالمال والغنى والمكانة الاجتماعية

قد يفتن المال صاحبه حتى يتصور أن كثرة ما يملك دليل على عظمته، وأن الآخرين أقل شأنًا منه لأنهم لا يملكون ما يملكه.

وقد عرض القرآن الكريم نموذجًا لذلك في قصة صاحب الجنتين، حين قال لصاحبه:

﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ (الكهف: 34).

لقد جعل كثرة المال والأتباع أساسًا للمفاضلة، وكأن الثروة تمنحه حق الاستعلاء على صاحبه.

ثم ازداد غرورًا، فقال:

﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ (الكهف: 35).

وتتجلى خطورة الغرور هنا في أن الإنسان لا يكتفي بالفرح بما يملك، بل قد ينسى أن المال قابل للزوال، وأن الصحة والقوة والمكانة ليست مضمونة، وأن ما بين يديه نعمة تستوجب الشكر لا الاستعلاء.

وقد يتباهى الإنسان بقوله: أنا أملك العقارات والأموال، وأنا صاحب النفوذ، وأنا الذي يشار إليّ بالبنان، أو يستهين بمن لا يملك مثل ما يملك.

والصحيح أن المال وسيلة للعيش الكريم والإحسان إلى الناس، وليس مقياسًا لقيمة الإنسان الأخلاقية. فقد يكون الفقير أكرم عند الله من الغني، وقد يكون صاحب المال سببًا في الخير إذا شكر النعمة وأدى الحقوق، أو سببًا في الظلم إذا استعملها في التكبر وإيذاء الآخرين.

ولهذا ينبغي للغني أن يتذكر أن ما في يده أمانة، وأن يشكر الله، ويتواضع للناس، ويؤدي الحقوق، ولا يجعل ثروته سببًا لإذلال المحتاجين.

رابعًا: الإعجاب بالقوة والسلطة والقدرة على السيطرة

من مظاهر الإعجاب بالنفس أن يرى الإنسان قوته أو سلطته أو كثرة أتباعه دليلًا على أنه لا يُغلب، وأن إرادته فوق إرادة الآخرين، وأن الناس لا يستطيعون الاستغناء عنه.

وقد ذكر القرآن الكريم قول قوم عاد:

﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ (فصلت: 15).

لقد اغتروا بما امتلكوه من قوة، وغفلوا عن أن القوة البشرية محدودة، وأن الإنسان مهما بلغ من القدرة يظل ضعيفًا أمام قدرة الله وتدبيره.

وقد يظهر هذا الغرور في مسؤول يتعامل مع الناس باستعلاء، أو صاحب عمل يهين موظفيه، أو أب يستخدم سلطته لإسكات أبنائه، أو شخص يظن أن مكانته الاجتماعية تمنحه حق التحكم في الآخرين.

والقوة الحقيقية ليست في القدرة على إخضاع الناس، بل في ضبط النفس، وإقامة العدل، وحماية الضعيف، وتحمل المسؤولية.

فمن كان مسؤولًا ينبغي أن يتذكر أن منصبه مؤقت، وأن الناس ليسوا ملكًا له، وأن السلطة تكليف ومحاسبة، لا فرصة للتعالي والتسلط.

خامسًا: الإعجاب بالعلم والعقل والفكر

قد يكون الإعجاب بالعلم من أخفى أبواب الإعجاب بالنفس؛ لأن الإنسان قد يتوهم أن كثرة ما تعلمه تمنحه منزلة تجعله فوق النقد والمراجعة.

فقد يكثر العالم من القراءة والبحث، ثم يستثقل سؤال من هو أقل منه علمًا، أو يرفض الاعتراف بخطئه، أو يسخر من رأي مخالف قبل أن يفهمه، أو يجعل معلوماته وسيلة لإظهار تفوقه لا لخدمة الحقيقة.

وقد يعجب المفكر بذكائه، والمتحدث بفصاحته، والكاتب بكتاباته، فيظن أن ما يقدمه لا يحتاج إلى مراجعة أو تصحيح.

لكن العلم الحقيقي يزيد صاحبه إدراكًا لسعة ما يجهله، ويجعله أكثر استعدادًا للاستماع إلى الدليل والاعتراف بالخطأ.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85).

وهذه الآية تذكر الإنسان بحدود معرفته، مهما بلغ من التحصيل والاطلاع.

كما قال تعالى:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 76).

فلا ينبغي للإنسان أن يحول علمه إلى حجاب يمنعه من التعلم، بل عليه أن يزداد تواضعًا كلما ازداد معرفة، وأن يميز بين الدفاع عن الدليل والدفاع عن الذات.

ومن علامات العالم المتواضع أن يقول: لا أعلم، عندما لا يعلم، وأن يرجع عن الخطأ إذا ظهر له الصواب، وأن يفرح بظهور الحقيقة ولو جاءت على لسان غيره.

سادسًا: الإعجاب بالجمال والأولاد والنسب والمواهب

قد يعجب الإنسان بجماله أو مظهره، فيحتقر من لا يملكون ما يملكه من جمال أو أناقة، أو يتعامل معهم بتعالٍ.

وقد يعجب بأولاده، فيرى أنهم أفضل من أبناء الآخرين في كل شيء، ويغفل عن عيوبهم، أو يبرر أخطاءهم، أو يتفاخر بهم بطريقة تؤذي غيره.

وقد يعجب بنسبه أو عائلته أو مكانة أقاربه، فيظن أن الانتساب إلى أسرة معروفة يمنحه قيمة أخلاقية أعلى من غيره، حتى لو لم يكن له عمل صالح يبرر هذا الشعور.

وقد يعجب الإنسان بموهبته الرياضية أو الفنية أو قدرته على الكلام والتأثير، فينسى أن المواهب تحتاج إلى رعاية وتطوير، وأنها قد تضعف أو تزول إذا أُسيء استعمالها.

إن الجمال والذكاء والموهبة والأولاد نعم تستحق الشكر، لكنها لا تبرر الاستعلاء على الناس. فليس الإنسان هو الذي اختار كل صفاته وظروفه، كما أن قيمة المرء لا تتوقف على المظهر أو النسب أو ما يملكه من مواهب.

والشكر الصحيح لهذه النعم يكون بحسن استعمالها، وتجنب إيذاء الآخرين بها، وتربية الأبناء على التواضع، وتذكر أن التفوق الحقيقي يظهر في الأخلاق والعمل النافع، لا في التفاخر وحده.

سابعًا: الإعجاب بالعبادة والصلاح والأخلاق

من أخطر صور الإعجاب بالنفس أن يعجب الإنسان بعبادته أو صلاحه أو أخلاقه، فيرى نفسه من أهل القرب والقبول، وينظر إلى غيره على أنه أقل منه منزلة.

فقد يكثر الإنسان من الصلاة والصيام والصدقة، ثم يستعظم عمله، ويتحدث عنه ليحصل على الثناء، أو يحتقر من يقصر في بعض الأعمال، أو يشعر بأنه أفضل من الناس لمجرد أنه يؤدي عبادات أكثر منهم.

وقد يعجب صاحب الأخلاق بحلمه وتواضعه، فيرى نفسه متفوقًا على غيره، وقد يعجب المتحدث عن الإخلاص بإخلاصه المفترض، فينسى أن النفس تحتاج إلى مراقبة ومحاسبة دائمة.

قال الله تعالى:

﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم: 32).

فالإنسان لا ينبغي أن يمنح نفسه شهادة نهائية بالطهارة والصلاح، ولا أن يجعل أعماله سببًا لاحتقار الآخرين.

وقال تعالى في وصف المؤمنين الذين يحسنون العمل ويخافون من عدم القبول:

﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (المؤمنون: 60).

وقد ورد في تفسير هذه الآية عن الإمام الصادق عليه السلام، في مضمون الرواية، أنها تتعلق بمن يعملون ويخافون ألا يُقبل منهم.

وهذا المعنى يربي المؤمن على الجمع بين العمل الصالح والرجاء في رحمة الله والخوف من التقصير، من دون يأس أو ادعاء ضمان القبول.

ولا يعني ذلك أن يعيش الإنسان في احتقار دائم لذاته أو أن ينكر ما وفقه الله إليه من خير، بل أن يفرح بالطاعة مع نسبة التوفيق إلى الله، ويستمر في محاسبة نفسه وإصلاحها.

ثامنًا: الإعجاب بالنفس قد يقود إلى الرياء وطلب السمعة

قد يبدأ الإعجاب شعورًا داخليًا باستعظام العمل أو الصفة، ثم يدفع صاحبه إلى البحث عن المظاهر التي تؤكد له مكانته في أعين الناس.

فيحرص على إظهار عبادته، أو يتحدث كثيرًا عن تضحياته، أو يكرر ذكر إنجازاته، أو يتضايق إذا لم يمدحه الآخرون، أو يقارن أعماله بأعمالهم ليظهر بمظهر الأفضل.

وهنا ينبغي التفريق بين إظهار العمل لمصلحة صحيحة، كتشجيع الناس على الخير أو توثيق الإنجاز، وبين اتخاذ العمل وسيلة لطلب الثناء وتعظيم الذات.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (البقرة: 264).

فالآية تحذر من إفساد الصدقة بالمن والأذى، وتبين أن العمل الصالح يحتاج إلى صيانة بعد أدائه، فلا يكفي أن يعطي الإنسان المال، ثم يجرح كرامة المحتاج أو يذكره بعطائه لإذلاله.

ومن هنا ينبغي أن يحذر المرء من أن تتحول أعماله الصالحة إلى وسيلة لإثبات التفوق أو شراء المديح، وأن يسأل نفسه: هل أريد بهذا العمل رضا الله ونفع الناس، أم أريد أن يراني الناس أفضل منهم؟

ومحاسبة النفس في هذا الباب ليست اتهامًا دائمًا للنية، وإنما وسيلة لإصلاحها وتجديد الإخلاص.

تاسعًا: كيف يكبح الإنسان إعجابه بنفسه؟

مقاومة الإعجاب بالنفس لا تتحقق بمجرد معرفة خطره، بل تحتاج إلى تدريب عملي مستمر، ومن أهم وسائل ذلك:

1. تذكر فضل الله: عندما تنجح أو تتعلم أو تحقق إنجازًا، تذكر أن قدراتك والفرص التي أتيحت لك من النعم التي تستوجب الشكر.

2. معرفة العيوب من دون يأس: اجلس مع نفسك واسألها عن أخطائك وتقصيرك في الحقوق والعبادات والعلاقات، لا بقصد تحطيم الذات، بل بقصد الإصلاح.

3. قبول النصيحة: لا تجعل مكانتك أو علمك مانعًا من الاستماع إلى من ينبهك إلى خطأ. فقد يأتي الحق على لسان شخص أصغر منك أو أقل منك خبرة.

4. عدم احتقار الآخرين: لا تعرف جميع ظروف الناس، ولا تعلم ما بينهم وبين الله، ولا يجوز أن تجعل تفوقك في جانب واحد حكمًا على قيمة الإنسان كلها.

5. الاعتراف بالخطأ: عندما تخطئ، اعتذر وأصلح ما تستطيع، ولا تبحث عن الأعذار لمجرد أنك لا تريد أن تظهر بمظهر المخطئ.

6. شكر النعم بالعمل: إن كنت صاحب مال، فساعد المحتاج. وإن كنت صاحب علم، فانفع الناس. وإن كنت صاحب سلطة، فأقم العدل. وإن كنت صاحب موهبة، فاستعملها في الخير.

7. تذكر سرعة تغير الأحوال: قد يفقد الإنسان صحته أو ماله أو منصبه، وقد تتبدل الظروف التي كان يتفاخر بها. وهذا لا يعني توقع الشر، بل عدم بناء قيمة الذات على أمور زائلة.

8. مخالطة الناس بتواضع: اجلس معهم من دون تكلف، واستمع إليهم، وشاركهم أعمال الحياة، ولا تجعل المنصب أو العلم حاجزًا يمنعك من التعامل الإنساني الطبيعي.

9. إخفاء بعض أعمال الخير حيث يكون ذلك أصلح للإخلاص: فالعمل الخفي قد يساعد على حماية النية من التعلق بالمديح، مع بقاء جواز إظهار العمل إذا وجدت مصلحة صحيحة.

10. الدعاء بطلب التوفيق: اسأل الله أن يصلح قلبك، ويعينك على شكر النعم، ويجنبك الغرور والرياء والاستعلاء.

عاشرًا: التواضع هو العلاج العملي للإعجاب بالنفس

التواضع لا يعني أن ينكر الإنسان قدراته، أو يذل نفسه، أو يسمح للآخرين باستغلاله، بل يعني أن يعرف قدر نفسه من غير استعلاء، وأن يقبل الحق ممن جاء به، وأن يحترم الناس مهما اختلفت مكاناتهم وقدراتهم.

فالمتواضع قد يكون غنيًا لكنه لا يحتقر الفقير، وعالمًا لكنه لا يزدري المتعلم، وصاحب منصب لكنه لا يظلم من هو دونه، وعابدًا لكنه لا يحكم لنفسه بالقبول ولا ينتقص من الآخرين.

أما الإعجاب بالنفس فيجعل الإنسان أسيرًا للمقارنة؛ فإذا وجد من هو أقل منه شعر بالتفوق، وإذا وجد من هو أفضل منه شعر بالتهديد أو الحسد، لأنه بنى قيمته على كونه أعلى من غيره.

والتواضع يحرر الإنسان من هذه المقارنات، فيجعله منشغلًا بأداء واجبه وتحسين نفسه، لا بإثبات أنه الأفضل دائمًا.

ومن أعظم مظاهر التواضع أن يقبل الإنسان الحقيقة ولو خالفت رأيه، وأن يشكر من أحسن إليه، وأن ينسب الفضل إلى أهله، وأن يعترف بأن نجاحه لا يبرر له إهمال حقوق الآخرين.

الحادي عشر: محاسبة النفس وتذكر التقصير من دون جلد الذات

من الوسائل المهمة لمقاومة الإعجاب بالنفس أن يتذكر الإنسان جوانب تقصيره، لكنه ينبغي أن يفعل ذلك بطريقة متوازنة.

فليس المقصود أن يقول الإنسان عن نفسه إنه لا قيمة له، أو أنه لا يحسن شيئًا، أو أن يرفض كل إنجاز يحققه. فهذا قد يتحول إلى يأس أو احتقار للذات، ولا يمثل التواضع الصحيح.

بل المقصود أن يقول: لدي نعم ينبغي أن أشكر الله عليها، ولدي قدرات ينبغي أن أستعملها في الخير، لكنني لست كاملًا، وما زلت أحتاج إلى التعلم والإصلاح، وقد أخطئ وأحتاج إلى من ينبهني.

وإذا أنجز عملًا جيدًا، شكر الله واجتهد في تطويره. وإذا أخطأ، اعترف بخطئه وتعلم منه. وإذا تفوق على غيره في مجال، لم يجعل هذا التفوق سببًا للتعالي عليه، لأن لكل إنسان قدراته وظروفه ومسؤولياته.

وهكذا تتحول محاسبة النفس من وسيلة لتحطيم الذات إلى وسيلة لبنائها، ويصبح التواضع قوة تدفع الإنسان إلى التقدم بدلًا من أن تكون شعورًا بالنقص.

خاتمة

إن الإعجاب بالنفس داء خطير لأنه قد يتسلل إلى الإنسان من أبواب يظنها أبواب فضيلة؛ فيعجب بعلمه، أو عبادته، أو ماله، أو جماله، أو أولاده، أو مكانته، ثم يتحول هذا الإعجاب تدريجيًا إلى استعلاء على الآخرين، ورفض للنصيحة، وطلب للمديح، وغفلة عن التقصير.

وقد كشف القرآن الكريم خطورة هذا الداء من خلال قصة إبليس الذي استكبر عن أمر الله، وقصة صاحب الجنتين الذي اغتر بماله وأتباعه، وقصة عاد الذين اغتروا بقوتهم. وهذه النماذج تعلمنا أن النعم لا تكون سببًا للنجاة بمجرد امتلاكها، وإنما يحسن أثرها بالشكر والتواضع وحسن العمل.

فلنحرص على أن نرى نعم الله علينا من دون أن نغتر بها، وأن نعرف قدراتنا من دون أن نحتقر غيرنا، وأن نفرح بأعمالنا الصالحة من دون أن نمنح أنفسنا ضمانًا بالقبول، وأن نتذكر تقصيرنا من دون أن نيأس من رحمة الله.

وليتذكر كل واحد منا أن ما يملكه اليوم قد يتغير غدًا، وأن الإنسان مهما بلغ يحتاج إلى التعلم والنصيحة والتوفيق، وأن قيمة المرء لا تقوم على ادعاء التفوق، بل على تقواه وصدقه وأمانته ونفعه للناس.

فطوبى لمن عرف قدر نفسه، وشكر ربه، وقبل الحق، وتواضع للخلق، وجعل ما أنعم الله به عليه طريقًا إلى الخير، لا سببًا للغرور والاستعلاء.


تعليقات

المتابعون

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حرز الامام الجواد عليه السلام هو نافع لدفع شر الجن والانس والحسد والشرور الكثيرة

  بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ اللَّهُمَّ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّوحِ وَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ قَاهِرَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ وَ خَالِقَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ مَالِكَهُ كُفَّ عَنَّا بَأْسَ أَعْدَائِنَا وَ مَنْ أَرَادَ بِنَا سُوءاً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ أَعْمِ أَبْصَارَهُمْ وَ قُلُوبَهُمْ وَ اجْعَلْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ حِجَاباً وَ حَرَساً وَ مَدْفَعاً إِنَّكَ رَبُّنَا لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ لَنَا إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا وَ إِلَيْهِ أَنَبْنَا وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ- رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ رَبَّنَا عَافِنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ‏ آخِذٌ بِناصِيَتِها وَ مِنْ شَرِّ مَا يَسْكُنُ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ سُوءٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَ إِلَهَ الْمُرْسَلِينَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ أَ...

احاديث اهل البيت في النفاق

نقلا عن كتاب ميزان الحكمة لريشهري   الإمام علي (عليه السلام) : النفاق يفسد الإيمان .  عنه (عليه السلام): النفاق أخو الشرك. - عنه (عليه السلام): النفاق توأم الكفر ). -  رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن النفاق يبدو لمظة سوداء، فكلما ازداد النفاق عظما ازداد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب . النفاق شين الأخلاق  -  الإمام علي (عليه السلام) : النفاق شين الأخلاق. - عنه (عليه السلام): ما أقبح بالإنسان ظاهرا موافقا، وباطنا منافقا! . - عنه (عليه السلام): ما أقبح بالإنسان أن يكون ذا وجهين! . - عنه (عليه السلام): الخيانة رأس النفاق . علة النفاق    الإمام علي (عليه السلام) : نفاق المرء من ذل يجده في نفسه . - عنه (عليه السلام): النفاق من أثافي الذل . - عنه (عليه السلام):  الكذب  يؤدي إلى النفاق . صفة  المنافق   -  الإمام علي (عليه السلام) :  المنافق  لنفسه مداهن، وعلى الناس طاعن . - عنه (عليه السلام):  المنافق  قوله جميل، وفعله الداء الدخيل . - عنه (عليه السلام):  المنافق  لسانه يسر، وقلبه يضر . - ع...

دُعاء القدحِ عظيمُ الشأنِ مكتوب

  دُعَاءُ الْقَدَحِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ وَ بِاللَّهِ وَ بِاسْمِهِ الْمُبْتَدَإِ رَبِّ الْآخِرَةِ وَ الْأُولَى لَا غَايَةَ لَهُ وَ لَا مُنْتَهَى رَبِّ الْأَرْضِ وَ السَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ. لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ مٰا تَحْتَ الثَّرىٰ. وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفىٰ اللَّهُ عَظِيمُ الْآلَاءِ دَائِمُ النَّعْمَاءِ قَاهِرُ الْأَعْدَاءِ [رَحِيمٌ بِخَلْقِهِ] عَاطِفٌ بِرِزْقِهِ مَعْرُوفٌ بِلُطْفِهِ عَادِلٌ فِي حُكْمِهِ عَالِمٌ فِي مُلْكِهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ رَحِيمُ الرُّحَمَاءِ- عَالِمُ الْعُلَمَاءِ صَاحِبُ الْأَنْبِيَاءِ غَفُورُ الْغُفَرَاءِ قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ سُبْحَانَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْوَاحِدِ الْحَمِيدِ ذِي الْعَرْشِ الْمَجِيدِ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ رَبِّ الْأَرْبَابِ وَ مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ وَ سَابِقِ الْأَسْبَاقِ وَ رَازِقِ الْأَرْزَاقِ وَ خَالِقِ الْأَخْلَاقِ قَادِرٍ عَلَى مَا يَشَاءُ مُقَدِّرِ الْمَقْدُورِ وَ قَ...

بحث حول النفاق

النفاق : هو ان يظهر الانسان شيئا حسنا من عمل او فعل او قول بخلاف ما يضمره في باطنه فالمنافق له حالتان حالة ظاهرية توافقية مع الناس وحالة باطنية تغاير ظاهريته ، وقد اشار امير المؤمنين عليه السلام الى هذا المعنى بقوله( ما أقبح بالإنسان ظاهرا موافقا و باطنا منافقا 1 . وهذه الازدواجية في التعامل ناشئة من دواعي كثيرة في نفس المنافق سيأتي الحديث عنها لاحقا ان شاء الله تعالى . والنفاق تارة يكون في العقيدة كأن يظهر المنافق الإيمان بأصول الدين كالتوحيد والمعاد والنبوة ويظهر التزامه بفروع الدين كالصلاة والصوم ولكنه باطنه يخادع الله ورسوله والناس وما يخادع إلا نفسه قال تعالى ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) 2 وقوله تعالى ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ( 142 ) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا...

بحث حول ( اهمية التوبة )

إن التوبة كالماء الذي ينزل من السماء على الارض الميتة فيكسوها الحياة بعد الممات وكذا القلب التائب بعد أن هيّأ ارضية قلبه -من خلال الندم والتوبة والاستغفار - بأن تكون خصبة صالحة للتطهير والتزكية ما ان تنهمر على قلبه سحائب الرحمة ومفاتيح الرأفة فتحي القلب بالحياة بعد الممات والنور بعد الظلمات واليقظة بعد الغفلة والسبات.  فالقرآن الكريم يِعدّ الغارق في مستنقع الذنوب والكنود انه ميت الأحياء وأنه في ظلمات ليس بخارج منها إلا بالأوبة والنزوع عن الحوبة قال تعالى ( أ َوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ . 1 فالتوبة هي رجوع العبد إلى دوحة الرحمة والعفو والغفران مما فرّط في حق ربه من الذنوب والعصيان ، وأن فتح باب التوبة أمام عباده العاصين وقبولها لهي من أعظم النعم والمنح النازلة من فيض رحمته الواسعة على عباده التائبين روي عن الإمام علي (عليه السلام): من تاب تاب الله عليه وأمرت جوارحه أن تستر عليه، وبقاع الأرض أن تكتم عليه، وأنسيت الحفظة ما كانت تكتب عليه 2 . وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) وقد سمعه معاوية بن وهب يقول : إذا تاب...

بحث حول لقمة الحرام وتاثيرها على قلب المؤمن

لا شك ان هناك علائق وروابط بين الامور المادية والمعنوية بحيث نلاحظ تأثير أحدهما على الآخر فانشراح القلب وانبساطه عامل دفع ومحرك نحو العمل وضيق الصدر وقسوته وظلمته عامل مثّبط للعمل  . وكذلك الكلام في مسالة لقُمة الحرام وتاثيرها الفاعل في تلويث القلب وما لها من الآثار الوضعية على القلب بحيث يعمى القلب عن رؤية الحق واستماع للحق واتباع الحق ومثقلة للعبادات وسالبة للتوفيق   ومن الإشارات إلى هذه النكتة كلام الإمام الحسين عليه السلام مع جيش ابن سعد قبل أن يلتقي المعسكران قال سلام الله عليه ((... وَيْلَكُمْ ما عَلَيْكُمْ اَنْ تَنْصِتُوا اِلَيّ فَتَسْمَعُوا قَوْلي وَاِنَّما اَدْعُوكُم الى سَبيلِ الرَّشادِ فَمَنْ اَطاعَنِي كانَ مِنَ الْمُرْشَدِينَ وَمَنْ عَصانِي كانَ مِنَ الْمُهْلَكِينَ وَكُلُّكُمْ عاصٍ لأمري غَيْرُ مُسْتَمِعٍ لِقَوْلي قَدِ انْخَزَلَتْ عَطِيّاتُكُمْ مِنَ الْحَرامِ وَمُلِئَتْ  بُطُونُكُمْ مِنَ الْحَرام فَطَبعَ اللّهُ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيْلَكُمْ اَلا تَنْصِتُونَ اَلا تَسْمَعُونَ؟... تَبّاً لَكُمْ اَيَّتها الْجَماعَةُ وَتَرَحاً .  1 ولقد ضرب القرآن الكري...