التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَ أَعَزُّ نَفَراً

 

بحث حول اهمية الصمت على اخلاق المؤمن


إِنَّ الصَّمْتَ لَهُ فَوَائِدُ جَمَّةٌ، وَمَبَاحِثُهُ كَثِيرَةٌ، وَلَكِنْ سَنَتَنَاوَلُ مَا يَرْتَبِطُ وَيَتَنَاسَبُ مَعَ مَوْضُوعِنَا، وَهُوَ القَلْبُ؛ حَيْثُ تُعَدُّ فَضِيلَةُ الصَّمْتِ مِنَ المَلَكَاتِ المُبَارَكَةِ وَالعَظِيمَةِ عَلَى العَبْدِ، حَيْثُ تَفِيضُ الإِنَارَةَ وَالسَّكِينَةَ وَالهُدُوءَ وَالرَّاحَةَ عَلَى القَلْبِ وَالفِكْرِ، وَصِمَامُ أَمَانٍ لِكَثِيرٍ مِنْ آفَاتِ الذُّنُوبِ، فَضْلًا عَنْ إِجْلَابِ الهَيْبَةِ وَالوَقَارِ وَالسَّلَامَةِ وَالسِّتْرِ، وَدَلِيلُ الحِكْمَةِ.

فَروي عم رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): «إِذَا رَأَيْتُمُ المُؤْمِنَ صَمُوتًا فَادْنُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلْقِي الحِكْمَةَ».1
وَروي عَنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «وَأَكْثِرْ صَمْتَكَ يَتَوَفَّرْ فِكْرُكَ، وَيَسْتَنِرْ قَلْبُكَ، وَيَسْلَمِ النَّاسُ مِنْ يَدِكَ».2
وَعَنْهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «الصَّمْتُ يُكْسِيكَ الوَقَارَ، وَيَكْفِيكَ مَؤُونَةَ الِاعْتِذَارِ».3

وَضِدُّهُ الكَلَامُ، وَآلَتُهُ اللِّسَانُ، وَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنَ النِّعَمِ المُفَاضَةِ عَلَى العِبَادِ، بَلْ يُعَدُّ اللِّسَانُ مِنْ أَشْرَفِ جَوَارِحِ الإِنْسَانِ. وَإِنَّ أَوَّلَ مُفْرَدَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ الفَيْضِ الأَقْدَسِ عَلَى قَلْبِ الخَاتَمِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (اقْرَأْ)، أَيْ أَنْ يَقْرَأَ الآيَاتِ الكَرِيمَةَ بِلِسَانِهِ الشَّرِيفِ عَلَى مَسَامِعِ النَّاسِ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَاليَوْمِ الآخِرِ.

وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ يُعَدُّ اللِّسَانُ مِنْ أَخْطَرِ الجَوَارِحِ فَتْكًا، وَقَدْ وَصَفَهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِالجُمُوحِ، أَيْ المُتَمَرِّدِ وَالمُسْتَعْصِي عَلَى صَاحِبِهِ، حَيْثُ قَالَ: «لِيَخْزُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ، فَإِنَّ هَذَا اللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ، وَاللَّهِ مَا أَرَى عَبْدًا يَتَّقِي تَقْوًى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ».4

وَلَوْ خُلِّيَ الكَلَامُ مِنَ النَّفْعِ فَسِجْنُ اللِّسَانِ أَوْلَى مِنْ إِطْلَاقِ العِنَانِ لَهُ، فَروي عَنْهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «مَا مِنْ شَيْءٍ أَحَقُّ بِطُولِ السِّجْنِ مِنَ اللِّسَانِ».5

وَثَمَّةَ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ عَنْ لُقْمَانَ، وَهِيَ أَنَّ مَوْلَاهُ دَعَاهُ ـ يَوْمَ كَانَ عَبْدًا ـ فَقَالَ: اذْبَحْ شَاةً، فَأْتِنِي بِأَطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ مِنْهَا، فَذَبَحَ شَاةً، وَأَتَاهُ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ. وَبَعْدَ عِدَّةِ أَيَّامٍ أَمَرَهُ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً، وَيَأْتِيَهُ بِأَخْبَثِ أَعْضَائِهَا، فَذَبَحَ شَاةً وَأَتَاهُ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ، فَتَعَجَّبَ وَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّ القَلْبَ وَاللِّسَانَ إِذَا طَهُرَا فَهُمَا أَطْيَبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَإِذَا خَبُثَا كَانَا أَخْبَثَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ».6

إِذًا فَمِنَ العَوَارِضِ السَّالِبَةِ لِسَلَامَةِ القَلْبِ هُوَ فُضُولُ الكَلَامِ، وَإِنَّ عَمَلِيَّةَ لَجْمِ اللِّسَانِ فِيمَا لَا فَائِدَةَ مِنْهُ تُعَدُّ مِنْ أَشَدِّ الرِّيَاضَاتِ صُعُوبَةً، وَإِنَّ الظَّفَرَ فِي مُطَاوَعَةِ اللِّسَانِ وَجَعْلِهِ مُنْقَادًا تَحْتَ أَمْرِ صَاحِبِهِ يَحْتَاجُ إِلَى مُرَاقَبَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ وَجُهْدٍ وَجِهَادٍ وَصَبْرٍ وَثَبَاتٍ.


وَلِذَا يُنْقَلُ عَنْ أَحَدِ عُلَمَائِنَا السَّالِكِينَ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ حَصَاةً تَحْتَ لِسَانِهِ، بُغْيَةَ لَجْمِ لِسَانِهِ وَالحَدِّ مِنْ آفَةِ فُضُولِ الكَلَامِ.

وَمِنْ كَلَامٍ لِإِمَامِنَا الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الصَّمْتَ وَأَنْتُمْ تَتَعَلَّمُونَ الكَلَامَ، كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَرَادَ التَّعَبُّدَ يَتَعَلَّمُ الصَّمْتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَشْرِ سِنِينَ، فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهِ تَعَبَّدَ، وَإِلَّا قَالَ: مَا أَنَا لِمَا أَرُومُ بِأَهْلٍ، إِنَّمَا يَنْجُو مَنْ أَطَالَ الصَّمْتَ عَنِ الفَحْشَاءِ...».7

وَدَخَلَ لُقْمَانُ عَلَى دَاوُودَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَهُوَ يَسْرُدُ الدِّرْعَ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَهُ فَأَدْرَكَتْهُ الحِكْمَةُ فَسَكَتَ، فَلَمَّا أَتَمَّهَا لَبِسَهَا وَقَالَ: «نِعْمَ لَبُوسُ الحَرْبِ أَنْتَ»، فَقَالَ: «الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ»، فَقَالَ لَهُ دَاوُودُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «بِحَقٍّ مَا سُمِّيتَ حَكِيمًا».8

وَمِنَ المُؤْسِفِ أَنَّكَ تَجِدُ أُنَاسًا هَمُّهُمُ التَّسَامُرُ وَقَضَاءُ الأَوْقَاتِ مَعَ هَذَا وَذَاكَ، وَإِتْلَافُ أَعْمَارِهِمْ بِاللَّهْوِ وَاللَّغْوِ، وَفِي حَدِيثٍ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا نَفْعَ.

وَإِنَّ المَجَالِسَ الَّتِي تَخْلُو مِنْ أَهْلِ الوَرَعِ وَالدِّينِ نَادِرًا مَا تَسْلَمُ مِنَ الوُقُوعِ فِي مَصَائِدِ الشَّيْطَانِ بِتَنَاوُلِ أَعْرَاضِ المُؤْمِنِينَ بِالسُّوءِ، بِحَيْثُ أَصْبَحَتِ المَجَالِسُ—وَلِلْأَسَفِ—مُرْتَعًا لِلَّهْوِ وَالشُّغْلِ الشَّاغِلِ لِضُعَفَاءِ النُّفُوسِ، وَأَنَّ المَجْلِسَ فِي نَظَرِ هَؤُلَاءِ يُعَدُّ تَافِهًا وَهَزِيلًا إِذَا خَلَا مِنَ اللَّغْوِ وَاللَّهْوِ وَالفُكَاهَةِ وَالمِزَاحِ وَالبَغْيِ عَلَى حُرْمَةِ المُؤْمِنِ.

نَعَمْ، هَذَا هُوَ وَاقِعُ الحَالِ، وَلَا مَفَرَّ مِنْ قَوْلِ الحَقِيقَةِ، فَإِنَّ الكَثِيرَ مِنَ المَجَالِسِ هَكَذَا حَالُهَا.

وَإِنَّ انْعِقَادَ المَجَالِسِ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ يُعَدُّ عُقُوقًا جَلِيًّا لِأَهْلِ البَيْتِ


عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، وَخِلَافًا لِمَا يَرْجُونَهُ مِنْ مَوَالِيهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَإِنَّ هَذِهِ المَجَالِسَ لَتُدْخِلُ الأَسَى وَالحُزْنَ عَلَيْهِمْ. فَعَنْ الإِمَامِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ لِفُضَيْلٍ: «تَجْلِسُونَ وَتُحَدِّثُونَ؟» قَالَ: نَعَمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَالَ: «إِنَّ تِلْكَ المَجَالِسَ أُحِبُّهَا، فَأَحْيُوا أَمْرَنَا يَا فُضَيْلُ، فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا. يَا فُضَيْلُ! مَنْ ذَكَرَنَا أَوْ ذُكِرْنَا عِنْدَهُ فَخَرَجَ مِنْ عَيْنِهِ مِثْلُ جَنَاحِ الذُّبَابِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ البَحْرِ»9


إِذًا فَالنَّتَائِجُ المُتَوَقَّعَةُ مِنْ هَذَا الدَّاءِ تَنْعَكِسُ سَلْبًا عَلَى نَقَاوَةِ القَلْبِ وَصَفَائِهِ، فَإِنَّ فُضُولَ الكَلَامِ وَكَثْرَتَهُ بِلَا مُبَرِّرٍ، وَمَعَ خُلُوِّهِ مِنَ النَّفْعِ،


 قَدْ يَؤُولُ إِلَى عَوَاقِبَ وَخِيمَةٍ وَنَتَائِجَ سَلْبِيَّةٍ فِي تَمَرُّضِ القَلْبِ وَقَسْوَتِهِ. وَقَدْ أَشَارَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إِلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ بِقَوْلِهِ:


«مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ، وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ، وَمَنْ قَلَّ 


حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ، وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ».10

وَلَا رَيْبَ أَنَّ الإِمَامَ (سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فِي مَقَامِ ذَمِّ كَثْرَةِ الكَلَامِ السَّلْبِيِّ 

الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِلَّا فَكَلَامُ الحَقِّ لَا إِشْكَالَ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ وَإِنْ كَثُرَ. وَلِذَا يَحْكِي القُرْآنُ الكَرِيمُ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ نُوحٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مَعَ قَوْمِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾.11

بَعْدَ هَذِهِ الإِطْلَالَةِ السَّرِيعَةِ عَلَى ضَرُورَةِ التَّحَلِّي بِفَضِيلَةِ الصَّمْتِ وَالنَّأْيِ عَنْ فُضُولِ الكَلَامِ، مِنْ أَجْلِ الحِفَاظِ عَلَى نَقَاوَةِ القَلْبِ، وَإِعْدَادِ الأَرْضِ خَصْبَةً لِنُزُولِ البَرَكَاتِ، وَلِأَجْلِ أَنْ يَبْقَى: (لَيْسَ فِي الدَّارِ غَيْرُهُ دَيَّارٌ).

يَتَحَتَّمُ عَلَى البَصِيرِ أَنْ يَهْتَمَّ بِإِصْلَاحِ القَلْبِ، وَيَتِمُّ ذَلِكَ بِصِيَانَتِهِ عَنِ 

الغَفْلَةِ وَاللَّغْوِ وَفُضُولِ الكَلَامِ، وَإِلَّا كَانَتِ النَّتَائِجُ لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهَا عَلَى القَلْبِ.

فَإِنَّ مَرَضَ القَلْبِ لَا يُقَاسُ بِمَرَضِ البَدَنِ؛ لِأَنَّ الأَمْرَاضَ البَدَنِيَّةَ إِذَا انْعَدَمَ عِلَاجُهَا لَا تَضُرُّ عَلَى عَاقِبَةِ المُؤْمِنِ مَا دَامَ القَلْبُ طَاهِرًا سَلِيمًا مِنَ المَعَاصِي وَالآثَامِ، بِخِلَافِ مَرَضِ القَلْبِ، فَهُوَ المِحْوَرُ وَعَلَيْهِ المُعَوَّلُ فِي

 النَّجَاةِ. فَإِذَا قَسَا قَلْبُ العَبْدِ وَتَحَجَّرَ، كَانَتِ الدُّنْيَا هِيَ أُمَّهُ، فَيَرْضَعُ مِنْ مُتَعِهَا وَلَذَائِذِهَا حَتَّى تُبْعِدَهُ وَتُعَزِّفَهُ عَنِ الآخِرَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا. 12

وَمِنَ المُؤْسِفِ حَقًّا أَنَّنَا إِذَا مَا ابْتُلِينَا بِعِلَّةٍ فِي بَدَنِنَا نَسْعَى جَاهِدِينَ بِكُلِّ مَا أُوتِينَا فِي مُعَالَجَةِ مَا أَلَمَّ بِنَا مِنَ المَرَضِ، وَلَكِنْ تَرَانَا نَكْسَلُ وَنُهْمِلُ فِي إِصْلَاحِ قُلُوبِنَا الَّتِي أُصِيبَتْ بِشَتَّى الأَمْرَاضِ المَعْنَوِيَّةِ مِنَ الحَسَدِ وَالحِقْدِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الظَّنِّ... إِلَى آخِرِهِ.

فَعَنْ الإِمَامِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) — فِي وَصِيَّتِهِ لِابْنِ جُنْدُبٍ — قَالَ: «اجْعَلْ نَفْسَكَ عَدُوًّا تُجَاهِدُهُ، وَعَارِيَّةً تَرُدُّهَا، فَإِنَّكَ قَدْ جُعِلْتَ طَبِيبَ نَفْسِكَ، وَعَرَفْتَ آيَةَ الصِّحَّةِ، وَبُيِّنَ لَكَ الدَّاءُ، وَدُلِلْتَ عَلَى الدَّوَاءِ، فَانْظُرْ قِيَامَكَ عَلَى نَفْسِكَ».13

فَالمَرِيضُ يُسَخِّرُ بَدَنَهُ وَيَجْعَلُهُ تَحْتَ سُلْطَةِ الطَّبِيبِ لِإِزَالَةِ المَرَضِ، وَلَكِنَّ الأَمْرَاضَ القَلْبِيَّةَ هِيَ مَجْعُولَةٌ تَحْتَ سُلْطَةِ الإِنْسَانِ نَفْسِهِ، فَمَا عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَشْحَذَ الهِمَّةَ وَيُشَمِّرَ سَاعِدَ الجِدِّ فِي اسْتِئْصَالِ الأَوْرَامِ الخَبِيثَةِ مِنْ قَلْبِهِ، آخِذًا بِإِرْشَادَاتِ الحُكَمَاءِ وَأَطِبَّاءِ القُلُوبِ: مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الأَطْهَارِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ). فَقَدْ وَصَفَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَنَّهُ: «طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ، وَآذَانٍ صُمٍّ، وَأَلْسِنَةٍ بُكْمٍ، مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الغَفْلَةِ وَمَوَاطِنَ الحَيْرَةِ».14

إِنَّ إِرَادَةَ المُؤْمِنِ إِذَا مَا اسْتَحْكَمَتْ عَلَى جَارِحَةِ اللِّسَانِ سَيَنْعَمُ القَلْبُ بِالهُدُوءِ وَالسَّكِينَةِ وَالرَّاحَةِ، وَيَزْدَادُ الفِكْرُ بَصِيرَةً وَتَنَوُّرًا، وَسَيَسُدُّ عَلَى نَفْسِهِ الكَثِيرَ مِنْ مَدَاخِلِ الشَّيْطَانِ وَمَنَافِذِ الذُّنُوبِ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا تَكَلَّمَ فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ، إِنَّ اللِّسَانَ أَمْلَكُ شَيْءٍ لِلإِنْسَانِ، أَلَا وَإِنَّ كَلَامَ العَبْدِ كُلَّهُ عَلَيْهِ، إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ إِصْلَاحًا بَيْنَ مُؤْمِنَيْنِ».

فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ تَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟! فَمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فَلْيَحْفَظْ مَا جَرَى بِهِ لِسَانُهُ، وَلْيَحْرُسْ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ جَنَانُهُ، وَلْيُحْسِنْ عَمَلَهُ، وَلْيُقَصِّرْ أَمَلَهُ».15

وَعَنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) — لِقَنْبَرَ وَقَدْ رَامَ أَنْ يَشْتِمَ شَاتِمَهُ —: «مَهْلًا يَا قَنْبَرُ! دَعْ شَاتِمَكَ مُهَانًا، تُرْضِ الرَّحْمَنَ وَتُسْخِطِ الشَّيْطَانَ وَتُعَاقِبْ عَدُوَّكَ، فَوَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَرْضَى المُؤْمِنُ رَبَّهُ بِمِثْلِ الحِلْمِ، وَلَا أَسْخَطَ الشَّيْطَانَ بِمِثْلِ الصَّمْتِ، وَلَا عُوقِبَ الأَحْمَقُ بِمِثْلِ السُّكُوتِ عَنْهُ».16

وَعَنْهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «إِنَّ لِسَانَ ابْنِ آدَمَ يُشْرِفُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى جَوَارِحِهِ، فَيَقُولُ: كَيْفَ أَصْبَحْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: بِخَيْرٍ إِنْ تَرَكْتَنَا، وَيَقُولُونَ: اللَّهَ اللَّهَ فِينَا! وَيُنَاشِدُونَهُ، وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا نُثَابُ بِكَ وَنُعَاقَبُ بِكَ».17


ملاحظة : هذه الروايات موجودة في بطون الكتب يمكن الوقوف عليها بالأنترنت بسهولة 

1- تحف العقول ص 93
2-ميزان الحكمة ص  523

3- غرر الحكم ص 139
4-  ميزان الحكمة ص 107
5-نفس المصدر 
6- تفسير الامثل ج 13 ص 42
7- ميزان الحكمة ج 5 ص  290
8-  وسائل الشيعة ج 12 ص 1
9ميزان الحكمة ج 2 ص 220
10- نهج البلاغة ج 4 ص 57
11- سورة نوح آية 5
12-  سورة البقرة آية 10
13- ميزان الحكمة 3
14- نهج البلاغة ج 1 ص 182
15- الاعلام الدين في صفات المؤمنين ص 20
16- الأمالي للمفيد ص 71 
17- الاختصاص ص 7

تعليقات

المتابعون

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حرز الامام الجواد عليه السلام هو نافع لدفع شر الجن والانس والحسد والشرور الكثيرة

  بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ اللَّهُمَّ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّوحِ وَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ قَاهِرَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ وَ خَالِقَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ مَالِكَهُ كُفَّ عَنَّا بَأْسَ أَعْدَائِنَا وَ مَنْ أَرَادَ بِنَا سُوءاً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ أَعْمِ أَبْصَارَهُمْ وَ قُلُوبَهُمْ وَ اجْعَلْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ حِجَاباً وَ حَرَساً وَ مَدْفَعاً إِنَّكَ رَبُّنَا لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ لَنَا إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا وَ إِلَيْهِ أَنَبْنَا وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ- رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ رَبَّنَا عَافِنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ‏ آخِذٌ بِناصِيَتِها وَ مِنْ شَرِّ مَا يَسْكُنُ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ سُوءٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَ إِلَهَ الْمُرْسَلِينَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ أَ...

احاديث اهل البيت في النفاق

نقلا عن كتاب ميزان الحكمة لريشهري   الإمام علي (عليه السلام) : النفاق يفسد الإيمان .  عنه (عليه السلام): النفاق أخو الشرك. - عنه (عليه السلام): النفاق توأم الكفر ). -  رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن النفاق يبدو لمظة سوداء، فكلما ازداد النفاق عظما ازداد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب . النفاق شين الأخلاق  -  الإمام علي (عليه السلام) : النفاق شين الأخلاق. - عنه (عليه السلام): ما أقبح بالإنسان ظاهرا موافقا، وباطنا منافقا! . - عنه (عليه السلام): ما أقبح بالإنسان أن يكون ذا وجهين! . - عنه (عليه السلام): الخيانة رأس النفاق . علة النفاق    الإمام علي (عليه السلام) : نفاق المرء من ذل يجده في نفسه . - عنه (عليه السلام): النفاق من أثافي الذل . - عنه (عليه السلام):  الكذب  يؤدي إلى النفاق . صفة  المنافق   -  الإمام علي (عليه السلام) :  المنافق  لنفسه مداهن، وعلى الناس طاعن . - عنه (عليه السلام):  المنافق  قوله جميل، وفعله الداء الدخيل . - عنه (عليه السلام):  المنافق  لسانه يسر، وقلبه يضر . - ع...

دُعاء القدحِ عظيمُ الشأنِ مكتوب

  دُعَاءُ الْقَدَحِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ وَ بِاللَّهِ وَ بِاسْمِهِ الْمُبْتَدَإِ رَبِّ الْآخِرَةِ وَ الْأُولَى لَا غَايَةَ لَهُ وَ لَا مُنْتَهَى رَبِّ الْأَرْضِ وَ السَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ. لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ مٰا تَحْتَ الثَّرىٰ. وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفىٰ اللَّهُ عَظِيمُ الْآلَاءِ دَائِمُ النَّعْمَاءِ قَاهِرُ الْأَعْدَاءِ [رَحِيمٌ بِخَلْقِهِ] عَاطِفٌ بِرِزْقِهِ مَعْرُوفٌ بِلُطْفِهِ عَادِلٌ فِي حُكْمِهِ عَالِمٌ فِي مُلْكِهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ رَحِيمُ الرُّحَمَاءِ- عَالِمُ الْعُلَمَاءِ صَاحِبُ الْأَنْبِيَاءِ غَفُورُ الْغُفَرَاءِ قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ سُبْحَانَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْوَاحِدِ الْحَمِيدِ ذِي الْعَرْشِ الْمَجِيدِ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ رَبِّ الْأَرْبَابِ وَ مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ وَ سَابِقِ الْأَسْبَاقِ وَ رَازِقِ الْأَرْزَاقِ وَ خَالِقِ الْأَخْلَاقِ قَادِرٍ عَلَى مَا يَشَاءُ مُقَدِّرِ الْمَقْدُورِ وَ قَا...

بحث حول النفاق

النفاق : هو ان يظهر الانسان شيئا حسنا من عمل او فعل او قول بخلاف ما يضمره في باطنه فالمنافق له حالتان حالة ظاهرية توافقية مع الناس وحالة باطنية تغاير ظاهريته ، وقد اشار امير المؤمنين عليه السلام الى هذا المعنى بقوله( ما أقبح بالإنسان ظاهرا موافقا و باطنا منافقا 1 . وهذه الازدواجية في التعامل ناشئة من دواعي كثيرة في نفس المنافق سيأتي الحديث عنها لاحقا ان شاء الله تعالى . والنفاق تارة يكون في العقيدة كأن يظهر المنافق الإيمان بأصول الدين كالتوحيد والمعاد والنبوة ويظهر التزامه بفروع الدين كالصلاة والصوم ولكنه باطنه يخادع الله ورسوله والناس وما يخادع إلا نفسه قال تعالى ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) 2 وقوله تعالى ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ( 142 ) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا...

بحث حول ( اهمية التوبة )

إن التوبة كالماء الذي ينزل من السماء على الارض الميتة فيكسوها الحياة بعد الممات وكذا القلب التائب بعد أن هيّأ ارضية قلبه -من خلال الندم والتوبة والاستغفار - بأن تكون خصبة صالحة للتطهير والتزكية ما ان تنهمر على قلبه سحائب الرحمة ومفاتيح الرأفة فتحي القلب بالحياة بعد الممات والنور بعد الظلمات واليقظة بعد الغفلة والسبات.  فالقرآن الكريم يِعدّ الغارق في مستنقع الذنوب والكنود انه ميت الأحياء وأنه في ظلمات ليس بخارج منها إلا بالأوبة والنزوع عن الحوبة قال تعالى ( أ َوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ . 1 فالتوبة هي رجوع العبد إلى دوحة الرحمة والعفو والغفران مما فرّط في حق ربه من الذنوب والعصيان ، وأن فتح باب التوبة أمام عباده العاصين وقبولها لهي من أعظم النعم والمنح النازلة من فيض رحمته الواسعة على عباده التائبين روي عن الإمام علي (عليه السلام): من تاب تاب الله عليه وأمرت جوارحه أن تستر عليه، وبقاع الأرض أن تكتم عليه، وأنسيت الحفظة ما كانت تكتب عليه 2 . وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) وقد سمعه معاوية بن وهب يقول : إذا تاب...

بحث حول لقمة الحرام وتاثيرها على قلب المؤمن

لا شك ان هناك علائق وروابط بين الامور المادية والمعنوية بحيث نلاحظ تأثير أحدهما على الآخر فانشراح القلب وانبساطه عامل دفع ومحرك نحو العمل وضيق الصدر وقسوته وظلمته عامل مثّبط للعمل  . وكذلك الكلام في مسالة لقُمة الحرام وتاثيرها الفاعل في تلويث القلب وما لها من الآثار الوضعية على القلب بحيث يعمى القلب عن رؤية الحق واستماع للحق واتباع الحق ومثقلة للعبادات وسالبة للتوفيق   ومن الإشارات إلى هذه النكتة كلام الإمام الحسين عليه السلام مع جيش ابن سعد قبل أن يلتقي المعسكران قال سلام الله عليه ((... وَيْلَكُمْ ما عَلَيْكُمْ اَنْ تَنْصِتُوا اِلَيّ فَتَسْمَعُوا قَوْلي وَاِنَّما اَدْعُوكُم الى سَبيلِ الرَّشادِ فَمَنْ اَطاعَنِي كانَ مِنَ الْمُرْشَدِينَ وَمَنْ عَصانِي كانَ مِنَ الْمُهْلَكِينَ وَكُلُّكُمْ عاصٍ لأمري غَيْرُ مُسْتَمِعٍ لِقَوْلي قَدِ انْخَزَلَتْ عَطِيّاتُكُمْ مِنَ الْحَرامِ وَمُلِئَتْ  بُطُونُكُمْ مِنَ الْحَرام فَطَبعَ اللّهُ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيْلَكُمْ اَلا تَنْصِتُونَ اَلا تَسْمَعُونَ؟... تَبّاً لَكُمْ اَيَّتها الْجَماعَةُ وَتَرَحاً .  1 ولقد ضرب القرآن الكري...