محاسبة النفس
إن من أكثر المسائل تهاوناً وتقصيرا التي يقع فيها كثير من الناس الغفلة عن محاسبة النفس على أعمالها وسلوكها وقراراتها وعلاقاتها، وتركها من دون رقابة أو مراجعة.
ولذلك نجد أن القرآن الكريم أكد على ضرورة مراجعة النفس ومحاسبتها؛ حتى تكون بمنأى عن التقصير والإهمال والغفلة والنسيان، وعن التجاوز على حدود الله تعالى، وعدم الاستعداد والتزود لليوم الآخر، قال عز وجل: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ(18)(وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّـهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ)().
إن محاسبة النفس ليست مجرد اطلاعٍ ومعرفةٍ فحسب، وإنما هي عملية تقويم وتصحيح للمفاهيم، وتغيير للسلوك الخاطئ، ومعالجة التقصير والإهمال حتى تستقيم النفس على الصراط المستقيم، وتتجافى عن الانحراف، وتسلك سبيل الصالحين، وتبتعد عن سبيل الفاسدين. قال عز وجل:( وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّـهُ )().
فالله تعالى هو المطلع على أعمال الإنسان ظاهرها وباطنها، وهو المحاسب على كل عمل، صغيرًا كان أو كبيرًا. ومن هنا تستوجب هذه الحقيقة المعرفية القرآنية أن يراجع الإنسان أعماله، ويحاسب نفسه قبل فوات الأوان، ونزول الموت، ووضع الموازين بالقسط. قال سبحانه: (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى بِنا حاسِبِينَ)().
إن إيمان الفرد بهذه المعارف القرآنية، كدقة الحساب، والعدل فيه، والمؤاخذة عند التقصير، يجعله حريصًا على مراقبة أفعاله وأقواله ونواياه، وراغبًا في فعل الخيرات وترك المحرمات، والصبر على البلاء، حتى يمهد لنفسه للحساب اليسير والجزاء الحسن. قال سبحانه:(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ(7)(فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً)()وقال تعالى (قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ أَرْضُ اللَّـهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ)().
ومن ثمرات محاسبة النفس أن يحرص الإنسان على تزكية نفسه وإصلاحها، حتى تكون أهلاً للعبودية الصادقة، ومحلاً لنزول الفيوضات الإلهية والألطاف الربانية. قال عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)().
أما إذا أهمل الإنسان نفسه وتركها من غير محاسبة ومراقبة، فإنها تكون أسرع الأشياء إلى التفريط في الطاعات والعبادات، والإفراط في المعاصي والشهوات، بل وحتى في المباحات التي تشغله عن الله تعالى وتعيقه عن بلوغ مراتب الكمال والقرب منه.
يتضح مما تقدم أن محاسبة النفس من الوسائل الأساسية التي دعا إليها القرآن الكريم في طريق تزكية النفس وإصلاحها، لأنها تحفظ الإنسان من الاسترسال مع الغفلة والهوى، وتجعله دائم المراجعة لأعماله وأقواله ونواياه.
وكلما ازداد العبد محاسبة لنفسه كان أقرب إلى التقوى والاستقامة، وأبعد عن مواطن الزلل والانحراف، فيتهيأ بذلك لنيل رضا الله تعالى والفوز بسعادة الدنيا والآخرة.
تعليقات
إرسال تعليق