أماني أهل الكتاب في القرآن
الأمانيُّ: جَمْعُ أُمْنِيَةٍ وَقَدْ وَرَدَتْ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ بمَعْنَيَيْنِ:
الأماني: جمع أمنية، وقد وردت في القرآن الكريم على معنيين:
المعنى الأول: البغية والرغبة، وما يتمناه الإنسان ويرجو وقوعه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾()، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾()
المعنى الثاني: الأماني الباطلة، وهي الدعاوى والظنون والأقوال التي لا تقوم على علم أو برهان، وقد ورد هذا المعنى في وصف بعض أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾()
المطلب الأول: التَّمَنِّي لَا يَنْفَعُ وَلَا يُغْنِي من دون عمل
إنَّ أصعب اللحظات التي تمرُّ على الإنسان هي لحظات مفارقته لهذه الحياة، إذا لم يكن قد مهد لآخرته، ولم يتزوَّد ليوم فقره وفاقته، ذلك السفر البعيد الشاق الذي يحتاج إلى خير زاد، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.()
وقد استعرض القرآن الكريم صورًا متعددة لحال الإنسان عند نزول الموت وعند الوقوف بين يدي الله تعالى، حيث يتمنى أمورًا كثيرة تعبِّر عن ندمه على ما فرَّط فيه من طاعة الله تعالى، وقلة استعداده ليوم الحساب.
فهو عند الاحتضار يتمنى أن يُمهل قليلًا ليعوض ما فاته من الأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾( )
ولكن هذه الأمنية لا تتحقق، لأن الأجل إذا حضر لا يؤخر، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾.()
كما يتمنى الرجوع إلى الدنيا ليعمل صالحًا، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾،( )إلا أن هذا التمني لا ينفع بعد انقضاء زمن التكليف.
وعند قيام الساعة وظهور الحقائق وانكشاف الغطاء، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾( )تتجدد أماني المجرمين، فيتمنى أحدهم لو لم يعط كتابه، أو لم يعرف حسابه، أو كانت الموتة الأولى هي القاضية، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾(()
ويتمنى كذلك لو اتبع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يسلك سبيل الضلال، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾،( )كما يتمنى لو لم يتخذ رفقاء السوء وأولياء الضلال، قال تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.()
بلى، سيخذله الشيطان ويتبرأ منه في أشد المواقف، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ…﴾()
ثم تتجدد أمنيات المجرم، ولكن لا جدوى منها ولا فائدة، فيتمنى لو يفتدي من عذاب جهنم بأعز الناس إليه لينجو بنفسه، قال تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ ۚ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾()
بل يبلغ به الحال من شدة الأهوال أن يتمنى لو يفتدي بمن في الأرض جميعًا ثم ينجيه ذلك من العذاب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾()
ولا تنتهي هذه التمنيات، بل يلوم نفسه على ما فرط في جنب ربه، ويتحسر على ما ضيعه من العمل الصالح، قال تعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾()
فإذا انقطعت جميع السبل، وانعدم الأمل، تمنى لو كان ترابًا ليتخلص من عذاب الخلود، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾()
وبعد هذه الصور المؤثرة التي يعرضها القرآن الكريم، يتبين أن الغاية منها حث الإنسان على تقوى الله تعالى، والاستعداد ليوم المعاد بالإكثار من العمل الصالح، فإن السفر طويل، والموقف شديد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾()
ففي ذلك اليوم لا ينفع الإنسان التمني، ولا يغنيه الندم، ولا ينقذه التبرؤ من أتباعه أو أوليائه، وإنما ينفعه ما قدمه من عمل صالح. فما دامت فسحة الحياة باقية، فعلى العاقل أن يتزود بالتقوى، ويعتبر بهذه المواعظ والزواجر قبل بغتة الموت، فإنه لا فوت بعد الموت، ولا مهرب من أمر الله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾()
ومن هنا يتبين أن التمني المجرد لا يغني عن صاحبه شيئًا إذا خلا من العمل، ولذلك أبطل القرآن الكريم أماني أهل الكتاب التي بنوها على مجرد الدعوى والرجاء من غير برهان ولا عمل، كما سيأتي بيانه في المطلب الآتي
المطلب الثاني: من أماني أهل الكتاب في القرآن
فمع تتابع إرسال الأنبياء إلى بني إسرائيل، وكثرتهم، وإنزال التوراة والإنجيل عليهم، ومشاهدتهم كثيرًا من الآيات والمعجزات التي أظهرها الله تعالى على أيدي أنبيائه لإخراجهم من الظلمات إلى النور، إلا أنهم تمردوا على تعاليم السماء، وقتلوا الأنبياء، ونقضوا المواثيق، فاستحقوا غضب الله تعالى وعذابه، قال سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾()
وإنَّ من أكثر الأنبياء والأقوام الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم نبيَّ الله موسى عليه السلام وبني إسرائيل، ومن يراجع تلك الآيات يجد مدى تفاني موسى الكليم في هدايتهم، وتحمله المشاق في سبيل إصلاحهم، بينما كان قومه من أكثر الأمم عنادًا، وقسوةً، وافتراءً، ونقضًا للعهود والمواثيق.
ومن الأمور التي زادتهم بعدًا عن رحمة الله تعالى، اختلاق الأكاذيب والمعتقدات الباطلة، التي عبَّر عنها القرآن الكريم بـ الأماني، ثم الاعتقاد بها والتدين على أساسها من غير حجة ولا برهان.
وقد ذمَّهم القرآن الكريم على هذا المسلك؛ لأنهم تركوا تعاليم التوراة والإنجيل، واستبدلوا بها معتقدات وأفكارًا توافق أهواءهم ومصالحهم، وافتروا بها على الله سبحانه وتعالى.
ومن تلك الأماني والادعاءات الباطلة التي ذكرها القرآن الكريم:
أولًا: قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾()
وهذه الآية تدحض دعواهم من أصلها؛ إذ لو كانوا حقًا أبناء الله وأحباءه، لما استحقوا العذاب بسبب معاصيهم، ولما توعدهم الله تعالى بالعقوبة على مخالفتهم أوامره. وإنما هم بشر كسائر الناس، تجري عليهم سنن الله في الثواب والعقاب، ولذلك قال سبحانه: ﴿بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾.()
وقد بيَّن القرآن الكريم أنهم مع كثرة ما أُوتوا من الآيات والبراهين بدلوا نعمة الله وكفروا بها، قال تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾()
ثانياً: النار لا تمسهم إلا أيامًا معدودة
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ()
يردُّ القرآن على أقاويلهم وتخرصاتهم التي لا تستند إلى حجةٍ وبرهان، فهل لديكم عهدٌ من الله بأن النار لا تمسكم إلا أيامًا قليلة؟ إنما هي أقاويل ومزاعم من نسج عقولكم الواهية وأهوائكم الباطلة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ()
إن التعصب في دينهم، والاغترار بمعتقداتهم الباطلة، وما اختلقوه من الأماني والافتراءات، هو الذي أوصلهم إلى هذا الادعاء الباطل بأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة.
ثالثاً: احتكار دخولهم الجنة دون سواهم
ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ()
إن قصر دخول الجنة على اليهود أو النصارى إنما هو أحلام وتمنيات ودعاوى مختلقة، وأمانٍ وتخرصات كاذبة، فلو كنتم صادقين فيما تدعون، فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
ولذلك يرد القرآن دعواهم بأدلة دامغة ورصينة، فلو كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس، وكنتم صادقين فيما تزعمون، فتمنوا الموت حتى تعجلوا الوصول إليها، وتتخلصوا من الذلة والهوان الذي نزل بكم بسبب نقضكم العهود والمواثيق التي أخذت عليكم.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ()
ولكنهم لن يتمنوا الموت أبدًا، بل هم أحرص الناس على الحياة، بسبب ما قدمت أيديهم من الظلم والعناد والكفر بآيات الله، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. ()
وقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. ()
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. ().
رابعا : ادِّعَاء أَنَّ عُزَيْرًا وَالمَسِيحَ ابْنَا اللَّه
جاء في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (
ومثلُ هذه الدعاوى الباطلة تفتقر إلى الحجة والدليل، ولذا يردُّ القرآن عليهم بقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، والإفك هو الكذب والتخرص.
إنَّ إعجابَ المرءِ بنفسه، وشعورَه بأنه أفضلُ من غيره، وأنَّ له الحسنى عند ربِّه، هو الذي يُهلكه ويُرديه إلى أسفل السافلين.
إنَّ غرورَ أهلِ الكتاب بأنفسهم نظيرُ صاحبِ البستان الذي اغترَّ بنفسه وماله حينما قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ ()
وكذلك الحال، فإنَّ جميع أمانيِّهم ودعاواهم المزعومة ستكون في مهبِّ الريح، ولن يحصدوا منها سوى الخزي والشنار، والندامة والنار، يوم العرض على الله، بسبب شركهم وتعاليهم وتكبرهم، قال تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ ().
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ()
خامسا : قولُهم: إنَّ اللهَ فقيرٌ ونحن أغنياء
قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ ()
ويردُّ عليهم القرآن بأنَّ هذه الافتراءات سوف تُكتب عليهم، ويُسألون عنها، ويُحاسَبون عليها يوم القيامة، ويذوقون عذاب الحريق، قال تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ()
سادسا : ادِّعاؤُهُم يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ:
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۚ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ()
سابعاً : لا نؤمنُ لرسولٍ حتى يأتينا بقربانٍ تأكله النار
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۚ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ()
ثامنا: ادِّعاؤهم: قلوبُنا غُلْفٌ
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ ()
إنما طُبِعَتْ قلوبُهم بسبب نقض العهود، والكفر، وقتل الأنبياء بغير حق، قال سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ()
تاسعا :ادِّعاؤهم: الهدايةُ لا تكون إلا باتباعهم
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ۚ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ()
إن هذا الضلال الذي أوقعوا فيه أنفسهم إنما كان بسبب تكبرهم، وكفرهم بالآيات والمعجزات، وعدم إيمانهم برسالة النبي ﷺ.
عاشراً: ادِّعاؤهم أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى
قال تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى ۗ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ()
ويردُّ القرآن دعواهم الكاذبة، وقولهم الذي لا يستند إلى علم صحيح، بأن التوراة والإنجيل نزلا بعد إبراهيم، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ( )وقال تعالى: ﴿هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ()
الحادية عشرة : يدَّعون أنَّ ما يكتبونه بأيديهم من عند الله
قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ()
وغيرُ ذلك من الأماني والافتراءات.
وبعد هذه الوقفة السريعة على جملةٍ من الأماني المزعومة لأهل الكتاب في القرآن الكريم، يتبين أن القرآن الكريم يردُّ على هذه التخرصات الباطلة، التي تنبع من تعصبهم واغترارهم بدينهم، بالحجة والبرهان، ويكشف زيفها وبطلانها، ويدعو إلى اتباع الحق المبني على الدليل، لا على الأماني والدعاوى.
تعليقات
إرسال تعليق