خصائص النفس
من خصائص النفس الإنسانية أنها تكون ميداناً للخواطر والوساوس التي قد تدفع الإنسان نحو الهوى والمعصية وتزيّن له بعض الشهوات والانحرافات، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ().
وفي هذا الميدان الخطير، الذي يغفل عنه كثير من الناس، قد ينساق الإنسان وراء تلك الخواطر السيئة من غير التفاتٍ إلى خطورتها، حتى تدفعه شيئًا فشيئًا إلى المعصية والانحراف.
وما أكثر الذنوب التي تنشأ من الاسترسال مع الوساوس والخواطر الفاسدة، كسوء الظن بالله تعالى، أو إساءة الظن بالناس، أو حمل النفس على النوايا السيئة والآثام الخفية.
ومن هنا ينبغي للمؤمن ألّا يسترسل مع تلك الوساوس، ولا يرتّب عليها أثرًا عمليًا، بل يسعى إلى دفعها وتبديلها بالأفكار الصالحة، فيحوّل سوء الظن إلى حسن ظن، والخواطر المذمومة إلى خواطر محمودة، ولا يمنح تلك الوساوس فرصة التمكّن من قلبه.
ويجدر التنبيه إلى أن هذه الوساوس منها ما يكون من تزيين النفس والهوى، ومنها ما يكون من وساوس الشيطان، ومنها ما يكون خواطر عابرة سرعان ما تزول دون أن تترك أثرًا.
وعلى المؤمن ألا يسترسل مع هذه الوساوس، وألا يفسح لها المجال لتؤثر سلبًا عليه باستدراجه نحو المعصية ، مع العلم أن الوسوسة لا تسلبه اختياره، ولا تجبره على ارتكاب المعصية، وإنما هي خواطر ودوافع تحتاج إلى مجاهدة ومقاومة.
ومن هنا يظهر أثر الإيمان وقوة النفس في مواجهة هذه المخاطر، من خلال الالتجاء إلى الله تعالى، والاستعانة به من الشيطان الرجيم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾( )
* النفس اللوامة
ومن أوصاف النفس التي ذكرها القرآن الكريم للنفس: النفس اللوّامة، التي تلوم صاحبها عند ارتكاب المعصية، قال تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ ().
كما تلومه عند التقصير في الطاعات والواجبات، أو عند ارتكاب ما لا يليق شرعًا وأخلاقًا، فتوقظه من غفلته، وتدفعه إلى مراجعة نفسه ومحاسبتها.
ومن الواضح أن هذه الصفة بالغة الأهمية في تربية المؤمن وإصلاح سلوكه؛ لأنها تجعله يشعر بالندم على الذنب، ويدرك خطورته وعظيم أثر، وتمنحه قوةً وعزيمةً لمجاهدة النفس ومقاومة الهوى.
والجدير بالذكر أن هذه الخصلة لا توجد عند كل الناس؛ فإن من الناس من يألف المعصية، ويستأنس بالذنب، وربما افتخر به أمام الآخرين، فلا يشعر بندمٍ ولا بوخز الضمير، وذلك بسبب قسوة القلب، والإصرار على الذنوب، والغفلة عن الله تعالى.
فالنفس اللوّامة تُعدّ من أعظم النعم الإلهية على المؤمن؛ لما لها من أثرٍ كبير في إيقاظه من الغفلة، ودفعه إلى مراجعة نفسه ومحاسبتها على التقصير تجاه ربّه، وعدم الإصرار على الذنب.
وقد أقسم الله تعالى بها، مما يدل على عظيم شأنها وأهمية أثرها في إصلاح الإنسان وتقويم أخلاقه؛ ولذلك لا ينبغي للمؤمن أن يفرّط فيها أو يميت هذا الوازع الإيماني في نفسه بسبب كثرة الذنوب والغفلة عن الله سبحانه.
ولعل من أعظم المخاطر على الإنسان أن يغفل عن إصلاح ذاته، ويهمل محاسبة نفسه ومراجعة أخطائه؛ فإن ذلك قد يجرّه تدريجيًا إلى قسوة القلب، وطول الأمل، والغفلة عن الآخرة، حتى يبتعد في نهاية المطاف عن الله تعالى وينسى حقيقة نفسه وما خُلقت له ولذلك قال عزّ وجلّ( وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّـهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ)().
* النفس المطمئنة
إنّ النفس المطمئنة هي أرقى النفوس التي ذكرها القرآن الكريم، وفي ذكرها تحفيزٌ لعباد الله المؤمنين على السعي إلى نيلها من خلال الإيمان والعبودية الحقة لله تعالى.
فهناك عبادٌ تطمئن قلوبهم بذكر الله، من خلال مناجاته ودعائه وتلاوة كتابه، والبكاء بين يديه حبًّا له، وشوقًا إليه، وخوفًا منه، ورجاءً لرحمته قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ().
ومن عباده من تطمئن قلوبهم بوعد الله تعالى وما أعدّه لهم من النعيم المقيم، والثواب العظيم، والصفح الجميل، والرحمة الواسعة، والحساب اليسير، والعفو عن التقصير.
وهذه القلوب المطمئنة لم تصل إلى هذه المرتبة من فراغ، ولا من خلال ادعاءات شكلية أو عبادات صورية، وإنما بلغت ذلك بصدق العبودية، والتعلق بالله وحده، والصبر على بلائه، والرضا بقضائه، والشكر على نعمه، والتسليم لأمره.
فهذه النفوس كانت في الدنيا مطمئنة بقضاء الله تعالى وحكمه،راضيةً بما أمر ونهى، وبما أعطى ومنع، وبما أفقر وأغنى وبما ابتلى وقدّر.
ومن اللطيف أن نبي الله إبراهيم عليه السلام سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ()، فكان سؤاله طلبًا لمزيدٍ من الطمأنينة وكمال اليقين، لا شكًّا في قدرة الله تعالى أو وعده.
ومن إقراره وتوحيده لله تعالى ما ورد في القرآن عنه: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ()
فمن يتدبر هذه الآيات يدرك ان إرجاع الخلق والهداية والإطعام والشفاء والإماتة والإحياء والطمع في المغفرة إلى الله تعالى وحده، هي من اعظم ثمار النفس المطمئنة وآثارها، وأن هذه النفس قد بلغت غايتها في التسليم واليقين.
تعليقات
إرسال تعليق