استغلال الوقت وعمر الإنسان: لا تقتل عمرك بالتسويف، فالأيام تمضي والموت لا ينتظر
المقدمة
إن عمر الإنسان هو رأس ماله الحقيقي في هذه الدنيا، وأيامه هي الفرص التي أتاحها الله له ليؤمن ويعمل ويصلح نفسه، ويؤدي حقوق ربه وحقوق عباده، ويترك أثرًا طيبًا في الحياة. فالمال إذا ضاع أمكن تعويض بعضه، والصحة إذا ضعفت قد تتحسن، والفرص قد تتكرر، أما الوقت الذي يمضي فلا يعود، واللحظة التي تنقضي تصبح جزءًا من الماضي الذي لا يستطيع الإنسان استرجاعه.
ومن أخطر ما يقع فيه الإنسان أن يعيش وكأن العمر مضمون، وكأن الموت بعيد عنه، وكأن الصحة ستدوم، والغنى لن يتبدل، والفراغ سيبقى متاحًا، وفرص التوبة والعمل الصالح ستظل مفتوحة أمامه. فيؤجل الصلاة في وقتها، والتوبة من ذنوبه، وقضاء ما في ذمته من حقوق، وأداء ما عليه من واجبات، وصلة رحمه، وطلب العلم، وفعل الخير، حتى يفاجأ بمرض أو انشغال أو فقر أو ضعف أو موت يقطع عليه ما كان يؤمله.
إن التسويف لا يسرق من الإنسان ساعات فحسب، بل قد يسرق منه عمرًا كاملًا، فيستيقظ يومًا وقد تقدم به السن، وضعفت قدرته، وتراكمت عليه الواجبات، ولم يبق أمامه من الفرص ما كان متاحًا له في شبابه وصحته وفراغه.
فالعاقل هو الذي يستثمر عمره قبل أن يتحول إلى ذكريات، ويبادر إلى الطاعة قبل أن يصبح عاجزًا عنها، ويصلح علاقته بالله وبالناس قبل أن يقف أمام الحقيقة التي لا مفر منها: أن الدنيا ماضية، وأن أعمارنا تمضي معها، وأن ما قدمناه هو الذي يبقى لنا.
أولًا: الوقت هو رأس مال الإنسان الحقيقي
قد يحرص الإنسان على ماله، فيحسب نفقاته، ويحفظ ممتلكاته، ويخاف أن يخسر تجارة أو فرصة مالية، لكنه لا يحسب ساعات عمره التي تتسرب من بين يديه كل يوم.
والحقيقة أن المال وسيلة يمكن أن تُكتسب من جديد، أما العمر فهو الوعاء الذي تُكتسب فيه الحسنات، وتُؤدى فيه الحقوق، وتُبنى فيه المعرفة، وتُصلح فيه النفس، وتُنجز فيه الأعمال.
قال تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: 1-3).
يقسم الله تعالى بالعصر، وهو الزمن، ثم يقرر أن الإنسان في خسر، ويستثني الذين جمعوا الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
وهذا يلفت نظرنا إلى أن مرور الزمن وحده لا يعني النجاح؛ فالإنسان يخسر من عمره كل يوم، لكن يمكنه أن يحول هذا النقص الحتمي في العمر إلى رصيد من الإيمان والعمل الصالح والعلم النافع وخدمة الناس.
فليس السؤال: كم سنة عشت؟ بل السؤال الأهم: ماذا صنعت بهذه السنوات؟ وكم حقًا أديت؟ وكم علمًا تعلمت؟ وكم إنسانًا نفعت؟ وكم خطوة خطوتها في إصلاح نفسك والتقرب إلى الله؟
إن العمر الذي يمضي في الخير لا يضيع، أما العمر الذي يستهلكه الإنسان في الغفلة والتسويف فقد يتركه أمام حسرة لا ينفع معها الندم.
ثانيًا: لا تقتل عمرك بالتسويف
التسويف هو أن يعرف الإنسان ما ينبغي أن يفعله، ويقدر على فعله، ثم يؤجله بلا سبب معتبر، ويعد نفسه بأنه سيفعله في وقت آخر.
فيقول: سأتوب عندما أكبر، وسأقضي صلاتي لاحقًا، وسأرد الحقوق عندما تتحسن ظروفي، وسأطلب العلم عندما أتفرغ، وسأصلح علاقتي بأقاربي في مناسبة أخرى، وسأبدأ العمل الصالح عندما تنتهي مشاغلي.
ثم يأتي يوم جديد، فيكرر الوعود نفسها، حتى تصبح حياته سلسلة من الأعمال المؤجلة.
والمشكلة أن الإنسان لا يملك ضمانًا بأن الغد سيكون أفضل من اليوم؛ فقد يمرض، أو ينشغل بما لم يكن في حسابه، أو تتغير ظروفه المالية، أو تضعف قدرته، أو ينتهي أجله قبل أن ينجز ما وعد نفسه به.
قال تعالى:
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المنافقون: 10-11).
تأمل كيف يتمنى الإنسان عند حضور الموت أن يُمهل مدة قصيرة، ليعمل صالحًا وينفق ويتدارك ما فاته، لكنه لا يحصل على مهلة مضمونة بعد حلول أجله.
إن المشكلة ليست في أن الإنسان لا يعرف أهمية الخير، بل في أنه يظن أن أمامه وقتًا كافيًا دائمًا. ولذلك ينبغي أن يتحول العلم بأهمية العمل إلى مبادرة عملية، لا إلى أمنية مؤجلة.
لا تقل: سأبدأ غدًا، إذا كنت تستطيع أن تبدأ اليوم. ولا تؤجل حقًا واجبًا وأنت قادر على أدائه، ولا تجعل الأعمال الصالحة رهينة فراغ قد لا يأتي.
ثالثًا: بادر قبل نزول الموت
الموت حقيقة لا يستثنى منها أحد، لكنه يظل في حسابات كثير من الناس أمرًا بعيدًا، يتصورونه مرتبطًا بكبار السن أو المرضى، مع أن الإنسان لا يعرف متى ينتهي أجله.
قال تعالى:
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (النساء: 78).
وقال سبحانه:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: 185).
ليس المقصود من تذكر الموت أن يعيش الإنسان خائفًا، أو يترك شؤون حياته، أو يفقد الأمل في المستقبل، بل المقصود أن يدرك قيمة الفرصة التي بين يديه، وأن يضع أولوياته في موضعها الصحيح.
فكم من إنسان خرج من بيته وهو يخطط لأعمال كثيرة، ولم يعد إليه، وكم من شخص أجّل التوبة أو المصالحة أو أداء حق، ثم لم تتح له فرصة أخرى.
ولا أحد يعرف ما الذي سيحدث غدًا، لكن كل إنسان يستطيع أن يختار ما يفعله اليوم.
فبادر إلى التوبة، وأدِّ ما تستطيع من واجباتك، واطلب العفو ممن ظلمته، وأعد الحقوق إلى أصحابها، وقل كلمة الخير لمن يحتاج إليها، ولا تجعل الموت هو الذي يذكرك بأهمية ما كان يمكنك فعله وأنت في كامل قدرتك.
رابعًا: اغتنم خمسًا قبل خمس
من المعاني التربوية المهمة أن الإنسان ينبغي أن يستثمر مراحل القوة والقدرة قبل أن تتغير ظروفه، فلا ينتظر زوال النعمة حتى يعرف قيمتها.
ومن أشهر الوصايا المروية في هذا المعنى اغتنام الشباب قبل الهرم، والصحة قبل السقم، والغنى قبل الفقر، والفراغ قبل الشغل، والحياة قبل الموت.
وهذه المعاني تمثل منهجًا عمليًا في إدارة العمر؛ لأن كل نعمة من هذه النعم تمنح الإنسان فرصًا قد لا تتاح له بالقدر نفسه في مرحلة أخرى.
1. اغتنم شبابك قبل هرمك
الشباب مرحلة تكثر فيها القدرة على التعلم والعمل والحركة، وتكون لدى الإنسان فرص واسعة لبناء نفسه واكتساب المهارات وتكوين العادات الصالحة.
فلا تجعل شبابك يضيع كله في اللهو الذي لا ينفع، أو في السهر الذي يستنزف صحتك، أو في التعلق بالمظاهر، أو في مطاردة ما لا يبني عقلك ولا أخلاقك.
استثمر شبابك في العلم، والعبادة، والعمل، وتعلم المهن النافعة، وبناء الأسرة على أسس سليمة، ومساعدة الآخرين، وإعداد نفسك لمستقبل أكثر استقرارًا.
ولا يعني ذلك أن الشاب لا يحتاج إلى الراحة والترفيه، بل أن يجعل لكل شيء قدره، فلا يأخذ الترفيه من الوقت ما يضيّع عليه أهم واجباته وفرصه.
2. اغتنم صحتك قبل مرضك
الصحة نعمة قد لا يشعر الإنسان بقيمتها إلا حين يفقد شيئًا منها. فحين يكون قادرًا على الحركة، والقراءة، والصلاة، والعمل، والسفر، وخدمة أسرته، قد يظن أن هذه القدرة ستبقى معه دائمًا.
لكن المرض قد يغيّر حياته، ويحد من نشاطه، ويجعله عاجزًا عن بعض الأعمال التي كان يؤديها بسهولة.
فاستثمر صحتك في الطاعة والعمل النافع، واحفظها بالنوم الكافي، والغذاء المناسب، والحركة، والابتعاد عن العادات المؤذية.
ولا تؤجل العبادات والحقوق التي تستطيع أداءها الآن بحجة أنك ستفعلها حين تكبر، فقد تتغير صحتك وقدرتك.
3. اغتنم غناك قبل فقرك
المال وسيلة مهمة لقضاء الحاجات، وإعالة الأسرة، وأداء الحقوق، ومساعدة المحتاجين، والقيام بأعمال البر.
قال تعالى:
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (المنافقون: 10).
فإذا وسّع الله عليك في الرزق، فلا تؤجل أداء الحقوق الواجبة، ولا تجعل مساعدة المحتاجين أمرًا مؤجلًا إلى وقت لا تعرف متى يأتي.
ابدأ بما تستطيع، وأدِّ ما وجب عليك وفق الأحكام الشرعية، وأحسن إلى أهلك، وتصدق بحسب قدرتك، ولا تنتظر أن تصبح ثريًا حتى تبدأ في فعل الخير.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن ينفق الإنسان بلا حساب أو يضيّع حقوق أسرته بحجة الصدقة؛ بل الحكمة أن يؤدي الواجبات، ويراعي من يعول، وينفق في وجوه الخير بقدر استطاعته.
4. اغتنم فراغك قبل شغلك
الفراغ نعمة إذا أحسن الإنسان استثمارها، لكنه قد يتحول إلى باب للغفلة إذا لم تكن لديه أهداف واضحة.
قد يمر يوم كامل في التنقل بين الهاتف والمقاطع القصيرة والمحادثات غير الضرورية، ثم يقول الإنسان إنه لم يجد وقتًا للصلاة النافلة أو القراءة أو التعلم أو الجلوس مع أسرته.
والمشكلة أحيانًا ليست في كثرة الأعمال، بل في ضياع الساعات الصغيرة التي تتجمع حتى تصبح أيامًا وشهورًا.
فاجعل لك وقتًا للقرآن، ووقتًا للعلم، ووقتًا لأسرتك، ووقتًا للراحة، ووقتًا لإنجاز أعمالك المؤجلة. ولا تسمح لكل إشعار أو رغبة عابرة بأن تتحكم في يومك.
وقد ينشغل الإنسان لاحقًا بوظيفة أو مسؤولية أسرية أو مرض أحد أفراد أسرته أو التزامات طارئة، فيتمنى لو استثمر أوقات فراغه السابقة بصورة أفضل.
5. اغتنم حياتك قبل موتك
الحياة هي الفرصة الجامعة التي تتاح فيها التوبة والعمل والتعلم والإصلاح وأداء الحقوق.
فما دمت حيًا، تستطيع أن تراجع نفسك، وتستغفر ربك، وتصلح بعض أخطائك، وترد بعض المظالم، وتتعلم ما ينفعك، وتساعد من يحتاج إليك.
لكن لا ينبغي أن يغتر الإنسان بطول الأمل، أو يظن أن كثرة ما فاته يمكن تعويضه دائمًا في المستقبل.
قال تعالى:
﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ (المؤمنون: 99-100).
تبيّن الآيتان أن الإنسان قد يتمنى الرجوع بعد الموت ليعمل صالحًا، لكنه يواجه حقيقة انتهاء الأجل.
فلا تجعل أمنية الرجوع بعد الموت هي التي تكشف لك قيمة الحياة، بل تعلم من هذه الحقيقة وأنت لا تزال قادرًا على العمل.
خامسًا: التمهيد للآخرة يبدأ من الدنيا
ليست الدنيا في التصور القرآني مجرد مكان للمتاع ثم الرحيل، بل هي ميدان للعمل والاختبار، وفيها يهيئ الإنسان لنفسه ما ينفعه في آخرته.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: 18).
إنها دعوة صريحة إلى محاسبة النفس والنظر فيما قدمته للمستقبل الآتي، أي الاستعداد للقاء الله تعالى بالعمل والتقوى.
وتعبير «ما قدمت لغد» يفتح أمام الإنسان سؤالًا يوميًا: ماذا قدمت اليوم لنفسي عند الله؟ هل أديت واجباتي؟ هل أصلحت خطأً؟ هل تعلمت علمًا نافعًا؟ هل حفظت لساني؟ هل أعنت محتاجًا؟ هل قصّرت في حق إنسان كان يعتمد عليّ؟
والتمهيد للآخرة لا يعني ترك الدنيا أو إهمال الأسرة والعمل، بل يشمل القيام بالمسؤوليات الدنيوية بنية صالحة وأخلاق مستقيمة.
فالعمل الحلال، والنفقة على الأسرة، وتربية الأبناء، وطلب العلم النافع، وقضاء الديون، وصلة الرحم، ومساعدة الناس، كلها قد تكون من الأعمال التي يؤجر عليها الإنسان إذا أداها على الوجه الصحيح وابتغى بها رضا الله.
ولذلك فإن المؤمن لا يقسم حياته إلى طاعة لا علاقة لها بالدنيا، ودنيا لا علاقة لها بالطاعة، بل يسعى إلى أن تكون شؤون حياته منضبطة بالحق، وأن يجعل من عمره طريقًا إلى رضا الله.
سادسًا: لا تترك نفسك أسيرة الأماني
الأماني وحدها لا تبني مستقبلًا، ولا تسدد دينًا، ولا تقضي صلاة واجبة، ولا تعيد علاقة مقطوعة، ولا تحقق علمًا لم يتعلمه الإنسان.
قد يتمنى المرء أن يصبح عالمًا، أو ناجحًا في عمله، أو قريبًا من الله، أو بارًا بوالديه، لكنه لا يخصص وقتًا للتعلم، ولا يراجع نفسه، ولا يغير عاداته، ولا يبدأ بخطوة عملية.
ثم تمر السنوات، فيبقى ما يتمناه بعيدًا لأنه لم يسلك الطريق المؤدي إليه.
قال تعالى:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء: 123).
فالآية في سياقها تتحدث عن بطلان الاتكال على الأماني دون اعتبار للعمل والجزاء، وتذكّر بأن النجاة لا تُنال بمجرد الادعاء والتمني.
ومن أراد التوبة فليبدأ بالتوبة الصادقة، ومن أراد العلم فليخصص له وقتًا، ومن أراد صلاح أسرته فليحسن معاملتها، ومن أراد أداء حقوق الناس فليضع خطة واقعية لأدائها، ومن أراد حفظ القرآن فليجعل له وردًا يوميًا يناسب قدرته.
ولا يشترط أن يبدأ الإنسان بأعمال عظيمة، بل المهم أن يبدأ بما يستطيع، ثم يستمر ويتدرج.
سابعًا: لا تجعل الدنيا تسرق منك آخرتك
الدنيا بما فيها من مال وجمال ومناصب ومتاع قد تشغل الإنسان عن الغاية التي خُلق لها، إذا تحولت إلى همّه الأكبر، وأصبح يجمع متاعها على حساب دينه وأخلاقه وحقوق الناس.
قال تعالى:
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ (الحديد: 20).
وتبيّن الآية أن مظاهر الدنيا قد تشغل الإنسان بالتفاخر والتكاثر، ثم تنتهي كما ينتهي النبات بعد اخضراره ونضارته.
وليس المقصود أن كل متاع الدنيا مذموم، أو أن على الإنسان أن يترك العمل والمال والأسرة، بل المقصود ألا يجعل هذه الأمور غايته الوحيدة، وألا ينشغل بجمعها حتى ينسى حق الله وحقوق الناس والاستعداد للآخرة.
فقد ينفق الإنسان سنوات عمره في جمع المال، ثم يرحل قبل أن ينتفع به، أو يترك وراءه أموالًا يتنازع عليها الورثة، بينما قصّر في تربية أبنائه أو أداء حقوق واجبة أو مساعدة محتاج كان يستطيع مساعدته.
وقد ينشغل آخر بمظهره وشهرته ومكانته، ثم يكتشف أن كثيرًا من الناس الذين سعى لإرضائهم لم يعودوا يتذكرونه بعد زمن قصير.
أما العمل الصالح والأثر النافع، فهما مما ينبغي للإنسان أن يسعى إلى تقديمه في حياته، مع رجائه لرحمة الله وقبوله.
ثامنًا: لا تنتظر المرض حتى تعرف قيمة الصحة
قد يؤجل الإنسان بعض الطاعات أو الأعمال النافعة، لأنه يشعر أن الوقت متاح، وأن صحته لن تتغير. ثم إذا أصابه مرض أو ضعف جسدي، تمنى لو أنه استثمر أيام الصحة بصورة أفضل.
فمن كان قادرًا على المشي إلى المسجد، أو القيام بعبادة مستحبة، أو زيارة قريب، أو خدمة والديه، أو العمل والكسب، فليغتنم قدرته، من دون أن يحمّل نفسه ما لا تطيق.
وإذا مرض الإنسان، فليس معنى ذلك أن حياته أصبحت بلا قيمة، فقد يستطيع أن يعمل بلسانه أو قلبه أو علمه أو نصيحته أو صبره، بحسب حاله وقدرته.
إن المقصود هو عدم تأجيل ما يمكن فعله اليوم اعتمادًا على صحة مستقبلية غير مضمونة، مع إدراك أن الله لا يكلّف الإنسان فوق وسعه.
ولا ينبغي أن يتحول تذكّر المرض والموت إلى خوف مرضي يمنع الإنسان من العيش بصورة طبيعية؛ بل يكون دافعًا إلى ترتيب الأولويات، والعناية بالصحة، واستثمار الفرص المتاحة بحكمة.
تاسعًا: استغل الغنى قبل الفقر، ولا تؤجل الحقوق
من الأخطاء أن يتأخر الإنسان في أداء الحقوق المالية مع قدرته عليها، بحجة أنه سيؤديها عندما يصبح أكثر غنى.
فقد تتغير الظروف، أو يقل الدخل، أو تظهر نفقات طارئة، أو تتراكم الالتزامات، فيجد الإنسان نفسه عاجزًا عن الوفاء بما كان يستطيع أداءه من قبل.
ومن هنا ينبغي أن يحرص على أداء الحقوق الواجبة في أوقاتها بحسب أحكامها، ومنها الديون المستحقة، والنفقات الواجبة، والحقوق الشرعية التي تتعلق بذمته وفق فتوى مرجعه الديني.
كما ينبغي أن يتعلم تنظيم المال، وتجنب الإسراف، وعدم الدخول في التزامات تفوق قدرته، وأن يخصص للخير ما يستطيع بعد مراعاة الواجبات واحتياجات من يعول.
والإنسان الذي يستطيع مساعدة فقير اليوم لا ينبغي أن يجعل كل إحسان مؤجلًا إلى أن يصبح غنيًا؛ فقد يستطيع أن يقدم مساعدة صغيرة، أو يعلّم محتاجًا، أو يدل إنسانًا على فرصة عمل، أو يخفف عن مريض، أو يقضي حاجة من حوائجه.
فالخير لا يقتصر على المال، والفرص النافعة ليست كلها مرتبطة بالثروة.
عاشرًا: استثمر وقتك في الطاعة والتمهيد لنفسك
من أعظم صور استغلال الوقت أن يجعل الإنسان لنفسه نصيبًا ثابتًا من الطاعة، يناسب قدرته وظروفه، بدل أن يعتمد على الحماس المؤقت.
ومن ذلك:
- المحافظة على الصلوات الواجبة في أوقاتها.
- تلاوة القرآن الكريم مع محاولة فهم معانيه والعمل به.
- التوبة من الذنوب ورد الحقوق إلى أهلها.
- طلب العلم النافع، سواء في الدين أو في شؤون الحياة.
- صلة الرحم والإحسان إلى الوالدين والأقارب.
- مساعدة المحتاجين بحسب القدرة.
- إصلاح الأخلاق، وحفظ اللسان من الغيبة والكذب والبهتان.
- قضاء ما في الذمة من واجبات وفق الأحكام الشرعية.
- تربية الأبناء والقيام بمسؤوليات الأسرة.
- الاستعداد للآخرة بالعمل الصالح، لا بمجرد التمني.
والأهم من كثرة الأعمال أن تكون الأعمال صحيحة ومخلصة ومستدامة. فلا يحمل الإنسان نفسه من النوافل ما يؤدي إلى الملل والانقطاع، أو يضيّع به واجبًا أهم.
وليبدأ بالأولويات: الواجب قبل المستحب، والحقوق التي تتعلق بالآخرين قبل الأعمال التي يمكن تأجيلها، وإصلاح الضرر القائم قبل التوسع في أمور ثانوية.
الحادي عشر: لا تؤجل التوبة وقضاء الحقوق
من أشد صور التسويف خطورة أن يعرف الإنسان أن عليه حقوقًا أو واجبات، ثم يتركها تتراكم.
فقد يؤجل التوبة من ذنب، أو يماطل في سداد دين مع القدرة، أو يؤخر إعادة مال إلى صاحبه، أو يهمل واجبات شرعية في ذمته، أو يقطع رحمًا ثم ينتظر مناسبة بعيدة للمصالحة.
وهنا لا يكفي أن يقول: الله غفور رحيم؛ فرجاء رحمة الله ينبغي أن يدفع إلى التوبة والعمل، لا إلى الإصرار والتأجيل.
فالتوبة الصادقة تتطلب الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العودة، وتستلزم رد حقوق الناس أو معالجة المظالم بحسب تفاصيل المسألة الشرعية.
وإذا كان الإنسان عاجزًا عن أداء بعض الحقوق، فعليه أن يبدأ بوضع خطة واقعية، وأن يسعى إلى الوفاء بها بقدر استطاعته، بدل أن يستسلم أو يتظاهر بأن المشكلة غير موجودة.
ومن الحكمة أن يكتب الإنسان ما عليه من ديون وحقوق وواجبات، ويرتبها بحسب الأولوية والاستحقاق، ويتابع أداءها بصورة عملية.
الثاني عشر: حاسب نفسك قبل أن تُحاسَب على ما قدمت
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: 18).
هذه الآية دعوة إلى أن ينظر الإنسان في أعماله، وألا يعيش أيامه من دون مراجعة أو تقييم.
ومن المفيد أن يسأل نفسه في نهاية كل يوم:
- هل أديت واجباتي الأساسية؟
- هل ضيعت وقتًا طويلًا فيما لا ينفع؟
- هل ظلمت أحدًا بقول أو فعل؟
- هل أخّرت حقًا كان ينبغي أن أؤديه؟
- هل تعلمت شيئًا جديدًا أو أصلحت عادة سيئة؟
- هل قدمت عملًا صالحًا أرجو ثوابه عند الله؟
- ما أهم عمل ينبغي أن أنجزه غدًا؟
ولا ينبغي أن تتحول المحاسبة إلى جلد للنفس أو يأس من الإصلاح، بل تكون وسيلة لمعرفة مواضع التقصير ووضع خطوات عملية لمعالجتها.
فإذا اكتشف الإنسان أنه أضاع وقتًا طويلًا، فلا فائدة من أن يضيف إلى خسارته حزنًا يعطله عن العمل؛ بل يبدأ من اللحظة الحاضرة، ويستفيد مما بقي من عمره.
الثالث عشر: كيف تنظم وقتك عمليًا؟
يمكن للإنسان أن يبدأ بخطة بسيطة لا تحتاج إلى ظروف مثالية أو ساعات طويلة.
1. تحديد الأولويات: اكتب أهم واجباتك وأعمالك، وابدأ بما لا يجوز تأخيره.
2. تخصيص وقت يومي للقرآن والعلم: ولو كان الوقت قليلًا، فالثبات على عمل مناسب خير من اندفاع مؤقت يعقبه انقطاع.
3. تقليل المشتتات: ضع حدودًا لاستخدام الهاتف ومواقع التواصل، ولا تسمح لها باستهلاك أوقات العمل والعبادة والراحة والأسرة.
4. إنجاز الأعمال المؤجلة: اختر عملًا واحدًا مهمًا تؤجله باستمرار، وحدد خطوة واضحة لإنجازه اليوم.
5. وضع أوقات للراحة: الراحة والنوم والعناية بالصحة ليست إهدارًا للعمر، بل تساعد على استمرار القدرة على العمل والطاعة.
6. متابعة الحقوق والالتزامات: سجل ما عليك من ديون وواجبات ومواعيد، وحدد طريقة عملية للوفاء بها.
7. مراجعة نهاية اليوم: انظر إلى ما أنجزته، وما ضاع من وقتك، وما تستطيع تحسينه في اليوم التالي.
8. عدم انتظار الكمال: ابدأ بما تستطيع في ظروفك الحالية، ولا تجعل غياب الوقت المثالي حجة لترك العمل الممكن.
والإنسان لا يحتاج إلى أن يملأ كل دقيقة بنشاط، بل يحتاج إلى ألا يترك عمره يتبدد بلا وعي، وأن يوازن بين الواجب والراحة والعمل والأسرة والعبادة.
الرابع عشر: لا تتحسر على الماضي، بل أصلح ما بقي
قد يقرأ الإنسان عن قيمة الوقت فيشعر بالحزن على سنوات ضاعت في الغفلة أو التسويف أو الانشغال بما لا ينفع. وقد يقول: لو أنني بدأت مبكرًا، أو لو أنني لم أضيع شبابي، أو لو أنني أديت حقوقي في وقتها.
لكن التحسر وحده لا يعيد ما مضى، وقد يتحول إلى عائق جديد إذا استغرق الإنسان فيه حتى أضاع حاضره أيضًا.
والتصرف الصحيح هو أن يتعلم من الماضي، ويعترف بالتقصير، ويتوب مما يستوجب التوبة، ويعالج ما يستطيع إصلاحه، ثم يبدأ من جديد.
فمهما كان ما مضى من العمر، فإن اللحظة الحاضرة تظل فرصة لفعل الخير ما دام الإنسان حيًا وقادرًا. وقد يستطيع في وقت قصير أن ينجز أعمالًا مهمة، أو يصلح علاقة، أو يؤدي حقًا، أو يبدأ طريقًا علميًا أو أخلاقيًا نافعًا.
ولا ينبغي أن ييأس كبير السن أو المريض أو من تغيرت ظروفه؛ فلكل مرحلة من العمر أبواب من الخير تناسبها، والعمل الممكن في الحاضر خير من الوقوف عند الندم على الماضي.
الخامس عشر: الدنيا ماضية ومتعها فانية
من أعظم ما يعين على استثمار العمر أن يتذكر الإنسان حقيقة الدنيا، وأنها مهما طالت فإنها إلى زوال، وأن متاعها مهما كثر لا يبقى على حال واحدة.
قال تعالى:
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185).
وقال سبحانه:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 26-27).
فالصحة تتغير، والشباب يذهب، والأموال تنتقل، والمناصب تزول، والناس الذين نحرص على إرضائهم اليوم قد ينشغلون بحياتهم غدًا، ولا يبقى للإنسان إلا ما قدمه من عمل، مع رجائه لرحمة الله وفضله.
وهذا لا يدعو إلى ترك متاع الدنيا المباح، بل إلى وضعه في موضعه الصحيح؛ فنأخذ منه ما يعيننا على الحياة الكريمة، ونؤدي مسؤولياتنا، ونفرح بالنعم، لكن لا نبيع آخرتنا من أجل مكاسب زائلة، ولا نهدر أعمارنا في التفاخر والتنافس الذي لا ينتهي.
إن من الحكمة أن يستمتع الإنسان بالحلال، ويحب أهله، ويسعى في رزقه، ويطمح إلى النجاح، لكنه يتذكر أن كل ذلك وسائل لا غايات مطلقة، وأن العمر أقصر من أن يُستهلك كله في جمع ما سيتركه وراءه.
الخلاصة
إن عمر الإنسان رأس ماله الذي لا يُعوَّض، وكل يوم يمضي يأخذ معه جزءًا من حياته، فلا ينبغي أن يقتل الإنسان عمره بالتسويف، أو يستهلكه في اللهو والمشتتات، أو يؤجل الطاعة والحقوق والتوبة إلى مستقبل لا يضمن الوصول إليه.
فلنغتنم الشباب قبل الهرم، والصحة قبل المرض، والغنى قبل الفقر، والفراغ قبل الشغل، والحياة قبل الموت. ولنستثمر ما نملكه اليوم من قدرة وفرصة في طاعة الله، وإصلاح النفس، وأداء الحقوق، وطلب العلم، وخدمة الأسرة والمجتمع.
ولنتذكر قول الله تعالى:
﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: 18).
فلا يكفي أن نعرف أن الموت حق، بل ينبغي أن نهيئ أنفسنا له بالعمل الصالح. ولا يكفي أن نؤمن بأن الدنيا فانية، بل ينبغي ألا نجعل فناءها حجةً لليأس، ولا أن نجعل متاعها سببًا للغفلة عن الآخرة.
إن العاقل لا ينتظر الحسرة حتى يعرف قيمة الوقت، ولا ينتظر المرض حتى يقدر الصحة، ولا ينتظر الفقر حتى يعرف قيمة المال، ولا ينتظر الموت حتى يتمنى الرجوع إلى الدنيا.
ابدأ اليوم، وأدِّ ما عليك، وأصلح ما تستطيع، واستثمر ما بقي من عمرك؛ فالماضي لا يعود، والمستقبل غير مضمون، أما الحاضر فهو فرصتك المتاحة للعمل.
اللهم بارك لنا في أعمارنا وأوقاتنا، ووفقنا لطاعتك، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل ما بقي من أعمارنا خيرًا مما مضى، ولا تجعلنا من الذين يتحسرون عند فوات الأوان.

تعليقات
إرسال تعليق