
الوفاء للوالدين: ردّ الجميل لمن أفنيا أعمارهم في سبيل أبنائهم
المقدمة
إن الوفاء للوالدين من أعظم القيم الأخلاقية والإنسانية التي دعا إليها الإسلام، ومن أصدق مظاهر الاعتراف بالجميل لمن بذلا أعمارَهما، وتحملَا المشاق، وواجها التحديات في سبيل تربية أبنائهما، وتأمين مستقبلهم، وحفظ أخلاقهم ودينهم، وتوفير حياة كريمة لهم.
فالوالدان لا يقدمان لأبنائهما الطعام واللباس والمسكن فحسب، بل يمنحانهم من وقتهما وراحتهما وصحتهما ومشاعرهما، ويعيشان كثيرًا من الهموم التي قد لا يدرك الأبناء حقيقتها إلا عندما يكبرون، ويتحملون مسؤولية أسرهم، ويختبرون بأنفسهم أعباء التربية والحياة.
كم من أبٍ أتعبه العمل، وأرهقه السعي، وتحمل ضغوط الحياة حتى لا يحتاج أبناؤه إلى الآخرين! وكم من أمٍّ سهرت الليالي، وتحملت آلام الحمل والولادة والتربية، وأخفت تعبها وقلقها كي ترى أبناءها بخير! وكم من والدين قدّما حاجاتهما وأحلامهما إلى التأجيل، ليمنحا أبناءهما فرصة أفضل في التعليم والعيش والاستقرار!
ومن هنا، فإن الوفاء لهما لا ينبغي أن يكون مجرد كلمات تقال في المناسبات، أو مشاعر عابرة تظهر عند الحاجة، بل هو سلوك مستمر يتجلى في البر، والرحمة، والاحترام، وتحمل مشاقهما، وإدخال السرور على قلبيهما، وصيانة كرامتهما في الكبر والضعف، والإحسان إليهما بعد وفاتهما.
أولًا: الوفاء للوالدين اعتراف بالجميل وردّ لبعض المعروف
إن من صفات الإنسان النبيل أن يعترف بفضل من أحسن إليه، وألا ينسى من وقف معه في أوقات ضعفه وحاجته. وإذا كان الوفاء مطلوبًا تجاه كل من قدّم لنا معروفًا، فإن الوالدين أولى الناس بهذا الوفاء؛ لأن إحسانهما إلى الأبناء ممتد منذ الطفولة، وغالبًا ما يكون مصحوبًا بتضحيات لا ينتظران عليها أجرًا من الأبناء.
وقد ينسى الإنسان مواقف كثيرة مرّت به، لكنه لا ينبغي أن ينسى اليد التي أطعمته، والقلب الذي خاف عليه، والعين التي سهرت من أجله، والإنسان الذي تحمل أعباءه حين كان عاجزًا عن تدبير شؤونه.
قال تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان: 14).
تجمع الآية بين شكر الله وشكر الوالدين، وتذكّر الإنسان بما تحملته الأم من مشقة الحمل والرضاعة، وبما يحيط بتربية الطفل من مسؤوليات. وهذا يدعو الابن إلى استحضار ما بذله والداه في سبيله، وألا يتعامل مع إحسانهما كأنه أمر مفروض لا يستحق التقدير.
ولا يستطيع الأبناء أن يعيدوا إلى الوالدين سنوات شبابهما، ولا أن يمحوا عنهما كل تعب سابق، لكنهم يستطيعون أن يجعلوا ما بقي من حياتهما أكثر راحة وطمأنينة، وأن يحيطوهما بالمحبة والاحترام والإحسان.
ثانيًا: برّ الوالدين وصية قرآنية عظيمة
لم يجعل القرآن الكريم الإحسان إلى الوالدين أمرًا ثانويًا في حياة الإنسان، بل قرنه بعبادة الله تعالى، فقال سبحانه:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (النساء: 36).
وقال تعالى:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23).
إن اقتران الإحسان إلى الوالدين بالتوحيد يبيّن مكانة هذه المسؤولية في المنظومة الأخلاقية الإسلامية. فالمؤمن لا يكتفي بأداء العبادات، ثم يهمل أبويه أو يسيء إليهما أو يجرح مشاعرهما؛ بل يسعى إلى أن يظهر أثر إيمانه في معاملته لهما.
والبر لا يقتصر على توفير المال، مع أهمية ذلك عند الحاجة، بل يشمل حسن الكلام، ولين الجانب، والاهتمام، والسؤال، وقضاء الحوائج، والصبر على ما يصدر منهما من ضعف أو تعب أو تكرار بسبب تقدم العمر.
فقد يكون الوالدان في حاجة إلى من يجلس معهما، أو يستمع إلى حديثهما، أو يرافقهما إلى الطبيب، أو يساعدهما في شؤون الحياة اليومية. وهذه الأعمال قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل في معناها اعترافًا بالفضل ووفاءً عظيمًا.
ثالثًا: عدم إيذاء الوالدين وحفظ مشاعرهما
من أبرز صور الوفاء ألا يجعل الابن والديه مصدرًا للحزن والألم بسبب سوء كلامه أو قسوته أو إهماله. فالإنسان قد يقدّم المال لأبويه، لكنه يؤذيهما بلسانه، أو يجرح مشاعرهما، أو يشعرهما بأنهما عبء ثقيل عليه؛ فيكون قد جمع بين العطاء المادي والتقصير الأخلاقي.
قال تعالى:
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23).
تنهى الآية عن أدنى مظاهر التضجر من الوالدين، وتوجّه إلى مخاطبتهما بالكلام الكريم. وإذا كان التأفف اليسير مما نهى الله عنه في هذا السياق، فإن الشتم والإهانة والصراخ والتحقير أشد قبحًا.
ومن صور الإيذاء التي ينبغي للابن أن يحذر منها:
- رفع الصوت عليهما بطريقة مهينة.
- السخرية من ضعفهما أو قلة علمهما أو نسيانهما.
- إحراجهما أمام الأقارب أو الناس.
- تجاهل اتصالاتهما وحاجاتهما من غير عذر.
- إشعارهما بأنهما عقبة أمام راحته أو نجاحه.
- المقارنة بينهما وبين والدي الآخرين بقصد الانتقاص منهما.
- استخدام المال أو المساعدة وسيلة للسيطرة عليهما أو إذلالهما.
وقد يحتاج الوالدان أحيانًا إلى عناية خاصة بسبب المرض أو التقدم في العمر، فيتكرر طلبهما، أو يبطؤ أداؤهما، أو يضعف تركيزهما. وهنا يظهر معدن الوفاء: هل يتعامل الابن معهما بالصبر والرحمة، أم يقابلهما بالضجر وكأنهما لا يستحقان الاهتمام؟
إن الوفاء الحقيقي هو أن يحفظ الابن كرامة والديه، وألا يجعل ضعفهُما سببًا لقسوته عليهما، بل سببًا لمزيد من الرحمة والرعاية.
رابعًا: إكرام الوالدين وإجلالهما
إن إكرام الوالدين لا يتحقق بمجرد عدم الإساءة إليهما، بل يتطلب معاملتهما بما يليق بمكانتهما، وإشعارهما بأنهما موضع تقدير واحترام في الأسرة.
ومن الإكرام أن يستقبلهما الابن بوجه طلق، ويخصّهما بالاهتمام، ويشكرهما على ما قدماه، ويحفظ مكانتهما أمام أبنائه وزوجته وسائر أفراد الأسرة، وألا يسمح لأحد بإهانتهما أو الانتقاص منهما من غير أن يسعى إلى إنصافهما بالحكمة والعدل.
كما ينبغي أن يتذكر أن والديه قد يفرحان بأمور لا تكلفه كثيرًا: زيارة قصيرة، أو اتصال للاطمئنان، أو هدية بسيطة، أو سؤال عن صحتهما، أو مشاركة لهما في مناسبة، أو دعوة صادقة يسمعانها منه.
وقد يملك الابن مالًا كثيرًا، لكنه يبخل بوقته واهتمامه، فيشعر والداه بالوحدة رغم توفر حاجاتهما المادية. وقد يكون محدود الدخل، لكنه يعوّض ذلك بحسن المعاملة والزيارة والرعاية والكلمة الطيبة.
فالإكرام ليس في قيمة الهدية وحدها، بل في الرسالة التي تحملها: أنكما عزيزان عليّ، وأن فضلكما حاضر في قلبي، وأن وجودكما في حياتي نعمة أحرص عليها.
خامسًا: تحمّل الوالدين والصبر عليهما عند الكبر
حين يكبر الأبناء، قد ينسون أنهم كانوا يومًا أطفالًا يحتاجون إلى الرعاية المستمرة، وأن والديهم تحملا بكاءهم وأسئلتهم وأخطاءهم وتقلبات مزاجهم، وصبرا على حاجاتهم المتكررة دون أن يطلبا منهم أن يكونوا كاملين.
ثم يأتي يوم يحتاج فيه الوالدان إلى شيء من الرعاية والصبر، وقد يضعف جسدهما، أو تقل قدرتهما على الحركة، أو يكثر نسيانهما، أو تتغير بعض طباعهما بسبب المرض والتقدم في العمر.
وهنا ينبغي للابن أن يستحضر تضحيات الماضي، وأن يتعامل مع هذه المرحلة باعتبارها مسؤولية أخلاقية وإنسانية، لا عبئًا يريد التخلص منه.
قال تعالى:
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 23-24).
توجّه الآيتان إلى الرحمة المتواضعة، لا إلى مجرد أداء الواجب بصورة جافة. فخفض الجناح يعني أن يترك الابن الكبر والاستعلاء، وأن يتعامل مع والديه برفق واحترام.
وقد يضطر الابن إلى تنظيم رعايتهما مع مسؤوليات العمل والزوجة والأبناء، وهذا أمر يحتاج إلى حكمة وتعاون أسري، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى تخلٍّ عنهما أو إهمال لحاجاتهما الأساسية.
كما أن الصبر لا يعني قبول الظلم أو الضرر من غير معالجة، بل يعني أن تكون معالجة المشكلات بكرامة وحكمة، مع الحفاظ على الأدب والحقوق، وطلب المساعدة عند الحاجة.
سادسًا: طاعة الوالدين في المعروف مع حفظ حدود الشرع
من مظاهر الوفاء الاستجابة لطلبات الوالدين المشروعة، ومراعاة رغبتهما، والاستماع إلى نصيحتهما، وعدم تجاهل مشاعرهما لمجرد أن الابن أصبح مستقلًا في حياته.
لكن البر لا يعني أن طاعة الوالدين مطلقة في كل أمر، أو أن لهما أن يطلبا من الابن ارتكاب معصية أو ظلم إنسان أو التفريط في واجب شرعي. فقد وضع الإسلام حدودًا للطاعة، مع بقاء وجوب المعاملة الحسنة.
قال تعالى:
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: 15).
فالآية توضّح أن عدم الطاعة في الأمر المخالف للتوحيد لا يبيح الإساءة إليهما؛ بل يبقى واجب الصحبة بالمعروف.
وهذا يعلّمنا أن الوفاء يجمع بين البر والحكمة، وأن الاختلاف مع الوالدين لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة أو إهانة. فإذا اختلف الابن معهما في اختيار أو رأي، فليشرح موقفه بهدوء، وليحفظ لهما حق الاحترام، وليتجنب العناد لمجرد إثبات الاستقلال.
أما المسائل التي تتعلق بأحكام شرعية أو حقوق متعارضة، فينبغي الرجوع فيها إلى الأحكام الشرعية المعتبرة، بدل إطلاق أحكام عامة لا تراعي اختلاف الظروف.
سابعًا: إدخال السرور على قلبي الوالدين
من الوفاء أن يحرص الابن على إسعاد والديه، وألا يحصر علاقته بهما في قضاء الضرورات فقط. فالوالدان يحتاجان إلى الشعور بأنهما محبوبان ومقدّران، وأن أبناءهما لا يتذكرونهما عند المرض أو الحاجة فحسب.
وقد يتحقق إدخال السرور عليهما بزيارة غير متوقعة، أو هدية مناسبة، أو اصطحابهما إلى مكان يحبانه، أو الاجتماع بهما على مائدة، أو مساعدتهما في أمر يشق عليهما، أو الاهتمام بأحفادهما بما يطمئن قلبيهما.
ومن أجمل صور البر أن يطمئن الابن والديه على أحواله، ويشاركهما أخباره الطيبة، ويشعرهما بأنهما كانا جزءًا من نجاحه، بدل أن ينسب كل ما وصل إليه إلى جهده وحده وينسى ما بذلاه من أجله.
لكن ينبغي ألا يكون إدخال السرور مجرد مظهر اجتماعي أو استعراض أمام الآخرين، بل اهتمامًا صادقًا يراعي حاجاتهما الحقيقية. فقد لا يحتاج الوالدان إلى هدية غالية بقدر حاجتهما إلى وقت يقضيه الابن معهما، أو كلمة محبة يسمعانها منه.
إن بعض اللحظات التي يراها الابن عادية قد تكون من أجمل ذكريات والديه، ولا سيما عندما يشعران بأن أبناءهما لا يزالون يقدّرون وجودهما ويحرصون على قربهما.
ثامنًا: الوفاء لا يتوقف عند استقلال الأبناء وتكوين أسرهم
قد تتغير حياة الإنسان بعد الزواج، أو الانتقال إلى مدينة أخرى، أو الانشغال بالعمل وتربية الأبناء، فتتعدد مسؤولياته وتتراجع زياراته لوالديه. وقد يقع بعض الأبناء في خطأ الاعتقاد أن تكوين الأسرة الجديدة يعني انتهاء جانب كبير من مسؤوليتهم تجاه الأسرة التي نشؤوا فيها.
والحقيقة أن مسؤوليات الحياة تتغير، لكن قيمة البر لا تزول. يستطيع الإنسان أن ينظم وقته، ويتعاون مع إخوته، ويخصص للوالدين وقتًا معلومًا، ويحرص على التواصل معهما، ويشارك في توفير حاجاتهما بحسب قدرته.
كما ينبغي أن يوازن بين حقوق والديه وحقوق زوجته وأبنائه، فلا يجعل بره بوالديه ذريعة لظلم أسرته، ولا يجعل انشغاله بأسرته سببًا لإهمالهما. فالحكمة هي أداء الحقوق ومراعاة الظروف، والسعي إلى حل الخلافات من غير تعسف أو إساءة.
ومن الوفاء أيضًا ألا يسمح الابن للمشكلات العابرة بين زوجته ووالديه أن تتحول إلى قطيعة دائمة، بل يحاول معالجة الخلاف بالعدل والاحترام، فلا يظلم أحدًا، ولا يجرح والديه، ولا يحمّل زوجته ما لا يلزمها، ويحرص على صيانة كرامة الجميع.
تاسعًا: برّ الوالدين بالمال والرعاية العملية
قد يكون الوالدان في حاجة إلى دعم مالي بسبب ضعف الدخل أو المرض أو التقاعد أو ارتفاع تكاليف المعيشة. ومن الوفاء أن يساعدهما الابن في حدود قدرته، وأن يحرص على ألا يتركهما في حاجة مع قدرته على إعانتهما.
ولا ينبغي أن يقتصر اهتمامه على تقديم المال ثم يغيب عن متابعة شؤونهما؛ فقد يحتاجان إلى المساعدة في مراجعة الطبيب، أو شراء الدواء، أو ترتيب المنزل، أو فهم بعض الإجراءات، أو إنجاز المعاملات التي يصعب عليهما القيام بها.
كما ينبغي أن تكون المساعدة مصحوبة بالاحترام، فلا يذكّر الابن والديه بما ينفقه عليهما، ولا يجعل المساعدة سببًا لفرض السيطرة على قراراتهما، ما داما قادرين على إدارة شؤونهما.
والأصل أن يقدّم العون بطريقة تحفظ كرامتهما واستقلالهما، وأن يتذكر أن حاجتهما إلى المال لا تنتقص من مكانتهما، وأن اعتمادهما عليه في بعض الأمور قد يكون مرحلة طبيعية من مراحل الحياة.
وقد تختلف الواجبات المالية بحسب الاستطاعة والحاجة والأحكام الشرعية، لكن الإحسان يقتضي أن يكون الابن حساسًا لحاجات والديه، وألا يتجاهل معاناتهما بحجة أن المال ماله وحده.
عاشرًا: تعليم الأبناء الوفاء للوالدين بالقدوة
إن الوفاء للوالدين لا يقتصر أثره على العلاقة بين الابن وأبويه، بل يمتد إلى الجيل التالي. فالطفل الذي يرى أباه يحترم جدّه وجدّته، ويسأل عنهما، ويخدمهما، ويتحدث عنهما بمحبة، يتعلم أن البر قيمة عملية وليست مجرد موعظة.
أما إذا رأى الطفل أباه يهين والديه أو يتجاهلهما أو يسخر من ضعفهِما، فقد يعتاد هذا السلوك ويعدّه طريقة طبيعية للتعامل مع كبار السن.
ولهذا فإن بر الوالدين تربية صامتة يتعلم منها الأبناء أكثر مما يتعلمون من الخطب والنصائح. ومن أراد أن يبرّه أبناؤه في المستقبل، فليكن قدوة لهم في بر والديه، وليعلّمهم أن كرامة الإنسان لا تسقط بضعفه أو كبره.
كما ينبغي أن يُشرك الأبناء في أعمال الخير المناسبة لأعمارهم، مثل زيارة الجدين، وتقديم هدية لهما، ومساعدتهما في بعض الأمور البسيطة، وتعليمهما كلمات الشكر والاعتذار عند الخطأ.
وبذلك تنتقل قيمة الوفاء من جيل إلى جيل، وتصبح الأسرة بيئة يتعلم فيها الإنسان الاعتراف بالجميل، والرحمة، وتحمل المسؤولية.
الحادي عشر: الوفاء للوالدين بعد وفاتهما
لا تنتهي علاقة البر بالوالدين بمجرد وفاتهما؛ فالإنسان يستطيع أن يواصل الإحسان إليهما من خلال الدعاء، والصدقة عنهما، وقضاء ما ثبت في ذمتهما من حقوق وفق الأحكام الشرعية، وصلة من كانا يحبّان صلته، وحفظ سيرتهما الطيبة.
قال تعالى في دعاء المؤمنين:
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (إبراهيم: 41).
وقال تعالى:
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 24).
ومن صور الوفاء بعد الوفاة:
- الدعاء لهما بالمغفرة والرحمة وعلوّ المنزلة.
- التصدق عنهما وإهداء ثواب العمل الصالح إليهما وفق الأحكام الشرعية.
- أداء الديون والحقوق التي ثبتت عليهما، ومعالجة مسائل التركة وفق الشرع.
- صلة الأقارب والأصدقاء الذين كانت لهما بهم مودة، إذا كان ذلك مشروعًا ومناسبًا.
- المحافظة على القيم الطيبة التي ربّيا أبناءهما عليها.
- ذكر محاسنهما والدعاء لهما، من غير مبالغة أو كذب.
- الاستفادة من ذكراهما في تربية الأبناء على الوفاء والرحمة.
ومن المؤلم أن يندم بعض الناس بعد وفاة والديهم على زيارات قصّروا فيها، أو كلمات قاسية قالوها، أو فرص للإحسان أضاعوها. ولذلك فإن أفضل وقت للبر هو الوقت الذي لا يزال فيه الوالدان على قيد الحياة، حيث يستطيع الابن أن يسمع دعاءهما، ويرى فرحتهما، ويخفف عنهما ما يواجهانه من مشقة.
الثاني عشر: لا تؤجل الوفاء حتى يفوت الأوان
قد ينشغل الإنسان بمستقبله، ويسعى إلى النجاح في العمل، أو تحصيل المال، أو بناء المنزل، أو تحقيق طموحاته، وهذه أمور مشروعة في أصلها، لكن الخطر أن يستغرق فيها حتى تصبح زيارة والديه أمرًا مؤجلًا دائمًا.
يقول لنفسه: سأزورهما عندما أفرغ، وسأجلس معهما عندما تنتهي مشاغلي، وسأشتري لهما ما يحتاجان إليه عندما تتحسن ظروفي. ثم تمضي السنوات، وقد تتغير صحة الوالدين، أو يرحل أحدهما قبل أن تتحقق تلك الوعود.
إن الوفاء لا يحتاج دائمًا إلى وقت طويل أو مال كثير؛ بل يحتاج إلى قرار صادق بأن نجعل للوالدين مكانًا ثابتًا في حياتنا. فقد تكفي مكالمة للاطمئنان في يوم مزدحم، أو زيارة قصيرة، أو مساعدة عملية، أو جلسة نستمع فيها إلى حديثهما من غير استعجال.
ولا ينبغي أن ينتظر الإنسان مناسبة خاصة ليحسن إليهما، أو مرضًا شديدًا ليكتشف حاجتهما إليه، بل يجعل البر عادة يومية تتجدد في أقواله وأفعاله.
فالنجاح الحقيقي ليس أن يصل الإنسان إلى أهدافه الدنيوية وحدها، بل أن يصل إليها وهو محافظ على أخلاقه، وفيٌّ لمن وقفوا معه، ولم يجعل انشغاله بمستقبله سببًا لنسيان من تعبوا من أجل بناء ذلك المستقبل.
الخاتمة
إن الوفاء للوالدين ليس دينًا ماديًا يمكن سداده بمبلغ من المال، ولا واجبًا ينتهي بزيارة عابرة أو هدية في مناسبة، بل هو خُلُق عظيم يجمع بين الاعتراف بالجميل، والرحمة، والاحترام، والصبر، وحسن المعاملة، وتحمل المسؤولية.
لقد بذل الوالدان من أجسادهم ووقتهم وراحتهم وأحلامهم ما لا يستطيع الأبناء الإحاطة به كله. وربما لم يدرك الابن حجم تلك التضحيات إلا عندما أصبح مسؤولًا عن أسرة، وواجه صعوبات الحياة، وعرف كم يحتاج بناء الإنسان إلى صبر وتعب وتنازل.
ومن الوفاء أن يبرهما في حياتهما، ويحفظ كرامتهما، ويصبر على ضعفهِما، ويدخل السرور على قلبيهما، ويساعدهما بحسب قدرته، ويطيعهما في المعروف، ولا يجعل خلافًا أو انشغالًا سببًا للقطيعة والإيذاء. ومن الوفاء كذلك أن يواصل الدعاء لهما والصدقة عنهما والإحسان إليهما بعد رحيلهما.
فلننظر إلى والدينا بعين الرحمة والامتنان، لا بعين الاعتياد واللامبالاة. ولنمنحهما من وقتنا واهتمامنا ما نستطيع قبل أن تصبح الزيارة ذكرى، والكلمة فرصة ضائعة، والعناق أمنية لا يمكن تحقيقها.
ولنتذكر دائمًا أن الإنسان مهما بلغ من النجاح، ومهما امتلك من المال والمكانة، يبقى الوفاء لمن أحسنوا إليه علامة على نبل أخلاقه، وأن بر الوالدين من أجلّ أبواب الإحسان التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى.
تعليقات
إرسال تعليق