التخطي إلى المحتوى الرئيسي

آفة الإفراط في الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي وآثارها في حياة الإنسان

  آفة الإفراط في الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي وآثارها في حياة الإنسان أولاً: مقدمة أصبحت الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي جزءًا من حياة الإنسان المعاصر، ويمكن الانتفاع بها في التعلم والتواصل والترفيه وتبادل المعلومات، إلا أن المشكلة تبدأ حين يتحول الاستخدام من وسيلة نافعة إلى استغراق مفرط يستولي على الوقت والتفكير والاهتمام، حتى تصبح ساعات الإنسان مهدورة أمام الشاشة، بينما تتراكم عليه مسؤولياته وواجباته. إن الخطر لا يكمن في امتلاك الهاتف أو ممارسة الألعاب بحد ذاتها، بل في أن يفقد الإنسان قدرته على تنظيم وقته، وأن تصبح المتعة العاجلة أحب إليه من العمل والعبادة والتعلم وصلة الرحم وخدمة المجتمع. وحين يصل الأمر إلى هذه المرحلة، فإن الضرر لا يقف عند ضياع الوقت، بل يمتد إلى شخصية الإنسان وعلاقاته ومستقبله ومسؤوليته الدينية والاجتماعية. ثانياً: ضياع العمر وتبديد نعمة الوقت الوقت من أعظم النعم التي يمتلكها الإنسان، لأنه رأس ماله في هذه الحياة، وبه يتعلم ويعمل ويصلح نفسه ويخدم الآخرين. وكل ساعة تمر لا يمكن استعادتها، وكل يوم ينقضي يقترب بالإنسان من نهاية عمر...

آفة الإفراط في الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي وآثارها في حياة الإنسان

 



آفة الإفراط في الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي وآثارها في حياة الإنسان

أولاً: مقدمة

أصبحت الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي جزءًا من حياة الإنسان المعاصر، ويمكن الانتفاع بها في التعلم والتواصل والترفيه وتبادل المعلومات، إلا أن المشكلة تبدأ حين يتحول الاستخدام من وسيلة نافعة إلى استغراق مفرط يستولي على الوقت والتفكير والاهتمام، حتى تصبح ساعات الإنسان مهدورة أمام الشاشة، بينما تتراكم عليه مسؤولياته وواجباته.

إن الخطر لا يكمن في امتلاك الهاتف أو ممارسة الألعاب بحد ذاتها، بل في أن يفقد الإنسان قدرته على تنظيم وقته، وأن تصبح المتعة العاجلة أحب إليه من العمل والعبادة والتعلم وصلة الرحم وخدمة المجتمع. وحين يصل الأمر إلى هذه المرحلة، فإن الضرر لا يقف عند ضياع الوقت، بل يمتد إلى شخصية الإنسان وعلاقاته ومستقبله ومسؤوليته الدينية والاجتماعية.

ثانياً: ضياع العمر وتبديد نعمة الوقت

الوقت من أعظم النعم التي يمتلكها الإنسان، لأنه رأس ماله في هذه الحياة، وبه يتعلم ويعمل ويصلح نفسه ويخدم الآخرين. وكل ساعة تمر لا يمكن استعادتها، وكل يوم ينقضي يقترب بالإنسان من نهاية عمره.

قال تعالى:

﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾.

تلفت هذه السورة نظر الإنسان إلى حقيقة الخسارة، فالإنسان قد يظن أنه يقضي وقتًا بسيطًا في اللعب أو تصفح المنشورات، ثم يكتشف أن ساعات طويلة قد مضت من غير علم نافع أو عمل مثمر أو إنجاز حقيقي.

ومن مظاهر هذه المشكلة أن يفتح الإنسان هاتفه لدقائق، ثم يستمر في التنقل بين المقاطع والمنشورات والألعاب حتى ينسى ما كان يريد إنجازه. وقد تتكرر هذه الحالة يوميًا، فتتحول الدقائق المتفرقة إلى أيام وشهور ضائعة.

وليس المقصود أن يكون كل وقت الإنسان عملًا جادًا بلا راحة، فالترفيه المباح حاجة طبيعية، ولكن المطلوب أن يكون الترفيه في موضعه، لا أن يبتلع الوقت الذي يحتاج إليه الإنسان لبناء نفسه وأداء مسؤولياته.

ثالثاً: الكسل وفقدان الرغبة في العمل والإنجاز

من آثار الإفراط في الألعاب ومواقع التواصل أن يعتاد الإنسان على التسلية السريعة والمتجددة، فيجد بعض الأعمال الضرورية ثقيلة عليه؛ لأنها تحتاج إلى صبر وجهد ومتابعة.

فالطالب الذي اعتاد الانتقال المستمر بين المقاطع قد يشعر بالملل حين يجلس للمذاكرة، والعامل قد يتأخر في إنجاز مهماته لأنه منشغل بهاتفه، ورب الأسرة قد يؤجل أعمال المنزل بحجة أنه يريد أن يستريح قليلًا.

ومع تكرار التأجيل، تتراكم الواجبات ويزداد الشعور بالضغط، وقد يهرب الإنسان من هذا الضغط إلى الهاتف مرة أخرى، فتتكون دائرة من التسويف والكسل.

ولا يعني ذلك أن كل من يستخدم الألعاب أو مواقع التواصل يصبح كسولًا، وإنما الخطر في الإفراط الذي يزاحم العمل ويضعف الانضباط والقدرة على الالتزام.

فالإنسان لا يبني مستقبله بما يتمنى إنجازه، وإنما بما ينجزه فعلًا.

رابعاً: إهمال البيت والتقصير في المسؤوليات الأسرية

للبيت حقوق ومسؤوليات، ولا ينبغي أن يتحول الهاتف إلى حاجز يفصل الإنسان عن أسرته وأعماله اليومية.

ومن صور الإهمال:

  • أن يترك الإنسان ترتيب منزله وتنظيفه مع قدرته على المساعدة، وينشغل باللعب أو التصفح.
  • أن تتراكم الأعمال المنزلية، بينما يستهلك الهاتف معظم وقت الفراغ.
  • أن يهمل الأب أو الأم متابعة الأبناء وتربيتهم وتعليمهم بسبب الانشغال بالشاشة.
  • أن يطلب أفراد الأسرة المساعدة، فيتجاهلهم الشخص لأنه مشغول بمباراة إلكترونية أو مقطع يتابعه.
  • أن يجلس أفراد الأسرة في غرفة واحدة، لكن كل واحد منهم يعيش في عالم منفصل داخل هاتفه.

إن الحياة الأسرية لا تقوم على توفير الطعام والمسكن وحدهما، بل تحتاج إلى المشاركة والتعاون والاهتمام المتبادل. وحين يتحول كل فرد إلى شخص منشغل بعالمه الرقمي، تضعف روح الأسرة ويشعر أفرادها بأنهم يعيشون متجاورين لا متواصلين.

خامساً: التأثير في الدراسة والتحصيل العلمي

الدراسة تحتاج إلى التركيز والصبر والمراجعة المنتظمة، وهذه الأمور تتعارض مع الاستخدام المفرط الذي يقطع الانتباه باستمرار.

فالطالب الذي يفتح هاتفه كل بضع دقائق قد يجلس أمام كتابه ساعات، لكنه لا يحقق مقدارًا مناسبًا من الفهم؛ لأن ذهنه يتنقل بين الدرس والإشعارات والمقاطع والألعاب.

ومن أبرز النتائج المحتملة:

  • تأجيل الواجبات إلى اللحظات الأخيرة.
  • ضعف التركيز عند القراءة والفهم.
  • عدم الاستعداد الجيد للامتحانات.
  • السهر وتأخر الاستيقاظ عن المدرسة أو الجامعة.
  • انخفاض التحصيل العلمي بسبب قلة المراجعة.
  • الاعتماد على الحفظ السريع بدلًا من الفهم المتعمق.

إن العلم يحتاج إلى وقت منتظم، وليس إلى ساعات متقطعة يسيطر عليها الهاتف. ومن أراد التفوق فعليه أن يجعل الدراسة أولوية، وأن يضع الترفيه في حدود لا تضر بمستقبله.

سادساً: الإضرار بالعمل والرزق والأمانة المهنية

العمل مسؤولية، وقد ائتمن الله الإنسان على أداء واجباته، كما ائتمنه الناس على مصالحهم وأموالهم وأوقاتهم.

فإذا قضى الموظف وقت العمل في الألعاب والمحادثات غير الضرورية، أو انشغل العامل بمقاطع الهاتف حتى تأخر عن مهماته، فإن المشكلة لا تعود مسألة تنظيم وقت شخصي فقط، بل قد تصبح تقصيرًا في الأمانة وحقوق الآخرين.

وقد يؤدي ذلك إلى:

  • انخفاض الإنتاجية وكثرة الأخطاء.
  • التأخر عن مواعيد العمل.
  • تعطيل مصالح الناس.
  • إهمال المسؤوليات التي يتقاضى الإنسان أجرًا لأدائها.
  • فقدان الثقة بين العامل وصاحب العمل أو بين الموظف والمراجعين.

ولا يصح أن يطالب الإنسان الآخرين بأداء واجباتهم تجاهه، ثم يتساهل هو في أداء واجباته بسبب انشغاله بالتسلية. فالأمانة تقتضي أن يعطي كل ذي حق حقه.

سابعاً: العزلة وضعف التواصل الإنساني

قد تمنح مواقع التواصل الإنسان شعورًا بأنه على اتصال دائم بالآخرين، لكنه ليس بالضرورة اتصالًا عميقًا أو علاقة حقيقية.

فقد يتابع مئات الأشخاص، ويتبادل التعليقات والرسائل طوال اليوم، لكنه يهمل الجلوس مع أسرته أو زيارة أقاربه أو السؤال عن أصدقائه الذين يحتاجون إلى حضوره ومساندته.

ومن مظاهر هذه العزلة:

  • تفضيل العالم الافتراضي على اللقاءات العائلية.
  • قلة الحديث مع الوالدين والأبناء.
  • الانزعاج من المجالس التي لا تتوافر فيها وسائل التسلية الرقمية.
  • ضعف القدرة على الاستماع إلى الآخرين والتفاعل مع مشكلاتهم.
  • الشعور بالوحدة رغم كثرة المتابعين والأصدقاء الافتراضيين.

وقد تكون بعض العلاقات الرقمية نافعة وصادقة، ولكنها لا تغني دائمًا عن الحضور الفعلي، ولا عن المواساة والمساعدة والزيارة والوقوف إلى جانب الإنسان وقت حاجته.

ليس معيار التواصل أن نعرف أخبار الناس عبر الشاشات، بل أن نكون حاضرين في حياتهم عندما يحتاجون إلينا.

ثامناً: الإعراض عن صلة الرحم وبر الوالدين

صلة الرحم ليست مجرد معرفة أخبار الأقارب، بل تشمل السؤال عنهم وزيارتهم والإحسان إليهم ومساعدتهم بحسب الاستطاعة.

وقد ينشغل الإنسان باللعب ساعات طويلة، بينما يؤجل الاتصال بوالديه أو زيارة أقاربه أو الاطمئنان على مريض منهم. وربما يعتذر عن المشاركة في مناسبة عائلية، ثم يقضي الوقت نفسه في تصفح الهاتف.

وهنا تظهر المفارقة: يجد الإنسان وقتًا لمتابعة أشخاص لا يعرفهم، لكنه لا يجد وقتًا لمن تربطه بهم أرحام وحقوق ومسؤوليات.

إن الإفراط في الاستخدام الرقمي يصبح مشكلة أخلاقية حين يجعل الإنسان يقدم التسلية الاختيارية على الحقوق الواجبة أو المهمة.

ولا يعني ذلك أن كل زيارة أو اتصال يجب أن يتقدم على كل نشاط آخر، بل إن المطلوب هو التوازن، وألا تتحول وسائل الترفيه إلى عذر دائم لقطع العلاقات والتقصير في حقوق الأقارب.

تاسعاً: ضعف التعاون والاهتمام بالمجتمع

المجتمع لا ينهض بأفراد يفكر كل واحد منهم في متعته الخاصة وحدها، وإنما ينهض بالتعاون والمبادرة والشعور بالمسؤولية.

فحين ينغمس الإنسان في عالمه الرقمي، قد يقل اهتمامه بما يجري حوله، ولا يشارك في مساعدة المحتاج، أو خدمة الحي، أو دعم المبادرات النافعة، أو الوقوف مع الناس في أوقات الشدة.

وقد يرى مشكلة أمامه، لكنه يكتفي بمشاهدة مقطع عنها أو التعليق عليه، دون أن يفكر فيما يستطيع فعله عمليًا.

ولا يعني هذا أن وسائل التواصل لا تخدم المجتمع؛ فقد أصبحت وسيلة لنشر الوعي وتنظيم حملات الإغاثة وتبادل المعرفة. لكن الفرق كبير بين استخدامها وسيلة للعمل والإصلاح، وبين الاكتفاء بمشاهدة الأحداث والتفاعل معها إلكترونيًا دون مشاركة واقعية عند القدرة.

إن المجتمع يحتاج إلى من يترجم اهتمامه إلى عمل، لا إلى من يكتفي بمشاهدة ما يفعله الآخرون.

عاشراً: التهاون في العبادة والطاعة

من أخطر آثار الإفراط في الترفيه أن يزاحم الواجبات الدينية، فيؤخر الإنسان الصلاة أو يؤديها على عجل، أو يفوّت بعض واجباته، أو يترك قراءة القرآن والتفكر والمحاسبة بسبب انشغاله المستمر بالهاتف.

قال تعالى:

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ۝ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾.

تبيّن الآية كيف يمكن للانشغال المتواصل بأمور الدنيا أن يستولي على الإنسان حتى يغفل عن المصير الذي ينتظره. والعبرة ليست في أن كل ترفيه مذموم، بل في أن يتحول الترفيه أو جمع المتع والمشاغل إلى إلهاء يصرف الإنسان عن غايته ومسؤوليته.

وقد يبدأ الأمر بتأخير بسيط، ثم يتحول إلى عادة؛ فيقول الإنسان: سأصلي بعد هذه المباراة، أو سأقرأ القرآن بعد هذا المقطع، أو سأؤدي واجبي عندما أنتهي من التصفح. ثم يتكرر التأجيل حتى تضيع الأولويات.

إن المؤمن بحاجة إلى أن يسأل نفسه: هل تساعدني عاداتي اليومية على القرب من الله، أم أنها تستنزف وقتي حتى لا يبقى للطاعة إلا ما تبقى من يومي؟

فالعبادة ليست أمرًا هامشيًا نؤديه إذا فرغنا من كل شيء، وإنما هي جزء أساسي من حياة الإنسان المؤمن، ينبغي أن ينظم وقته على أساسها.

الحادي عشر: اضطراب النوم وضعف النشاط اليومي

قد يؤدي الاستخدام الطويل للهاتف، ولا سيما في ساعات الليل، إلى تأخير النوم وتقليل مدته أو إضعاف جودته لدى بعض الأشخاص.

وعندما لا يحصل الإنسان على الراحة الكافية، قد يستيقظ متعبًا، ويجد صعوبة في التركيز والعمل والدراسة، ويصبح أقل رغبة في الحركة والاختلاط بالناس. ثم قد يلجأ إلى الهاتف مرة أخرى بحثًا عن التسلية، فيستمر نمط الحياة غير المتوازن.

ومن النتائج التي قد تظهر عند بعض الأشخاص:

  • السهر المتكرر وتأخر الاستيقاظ.
  • قلة الحركة والنشاط البدني.
  • الشعور بالخمول أثناء النهار.
  • اضطراب مواعيد الوجبات والراحة.
  • صعوبة الالتزام بجدول يومي منتظم.

ومن المهم عدم رد كل تعب أو كسل إلى الهاتف وحده؛ فقد تكون هناك أسباب صحية أو نفسية أخرى. لكن تنظيم استخدام الأجهزة والنوم والحركة يساعد على تحسين نمط الحياة.

الثاني عشر: التعلق النفسي وصعوبة ترك الهاتف

قد يعتاد الإنسان على الحصول على المتعة الفورية من الألعاب والمقاطع القصيرة والإشعارات، فيشعر بالضيق عندما يبتعد عن الهاتف، أو يعود إليه تلقائيًا كلما شعر بالملل.

وقد تظهر المشكلة عندما:

  • يحاول تقليل الاستخدام لكنه يعجز عن الالتزام.
  • يفقد الإحساس بالوقت أثناء اللعب أو التصفح.
  • يستمر في الاستخدام رغم تضرر دراسته أو عمله.
  • يغضب بشدة عندما يطلب منه أهله إغلاق اللعبة.
  • لا يستطيع الاستمتاع بالأنشطة العادية بعيدًا عن الشاشة.

ليس كل استخدام طويل إدمانًا بالمعنى الطبي، ولا ينبغي إطلاق هذا الوصف على كل شخص يلعب أو يتصفح كثيرًا. لكن فقدان السيطرة واستمرار السلوك رغم الأضرار علامات تستحق الانتباه، وقد تستدعي طلب المساعدة المتخصصة إذا كانت المشكلة شديدة.

الثالث عشر: الأثر في التربية والعلاقات الزوجية

من الأخطاء التربوية أن ينشغل الأب أو الأم بالهاتف بينما يحتاج الأبناء إلى الحوار والتوجيه والقدوة والمتابعة.

فالطفل لا يتعلم تنظيم وقته من النصائح وحدها، بل يتأثر بما يراه في سلوك والديه. فإذا كان الأب يطلب من ابنه ترك الهاتف، بينما يقضي هو معظم وقته فيه، ضعفت فاعلية التوجيه.

وكذلك العلاقة الزوجية؛ فإن الإفراط في استخدام الأجهزة قد يقلل الحوار بين الزوجين، ويضعف الاهتمام المتبادل، ويجعل كل طرف يشعر بأن الهاتف يحظى باهتمام أكبر من شريكه.

ومن الضروري أن تخصص الأسرة أوقاتًا للحديث والمشاركة والأنشطة المشتركة، وأن تتفق على قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة، مع مراعاة الأعمار والاحتياجات المختلفة.

الرابع عشر: كيف نعالج هذه الظاهرة؟

العلاج لا يكون بمجرد لوم الإنسان أو مطالبته بترك الهاتف نهائيًا، بل بوضع خطة عملية تعيد التوازن إلى حياته.

1. تحديد وقت الاستخدام

يضع الإنسان أوقاتًا محددة للألعاب ومواقع التواصل، ويستعين بمؤقت أو بأدوات تحديد مدة الاستخدام، بدلًا من ترك الأمر مفتوحًا بحسب المزاج.

2. تقديم الواجبات على الترفيه

تُنجز الصلاة والدراسة والعمل والمسؤوليات المنزلية أولًا، ثم يأتي وقت الترفيه ضمن الحدود المناسبة.

3. إبعاد الهاتف عند أداء المهمات

عند الدراسة أو العمل أو الجلوس مع الأسرة، يُفضّل وضع الهاتف بعيدًا وإيقاف الإشعارات غير الضرورية؛ لأن مجرد وجوده قد يغري بالتفقد المتكرر.

4. تنظيم النوم

يُخصّص وقت ثابت للنوم والاستيقاظ قدر الإمكان، ويُتجنب الاستخدام المفرط في الساعات السابقة للنوم، ولا سيما إذا كان يؤخره.

5. استبدال العادة لا الاكتفاء بمنعها

من يريد تقليل اللعب يحتاج إلى بدائل عملية، مثل المشي والرياضة والقراءة وتعلم مهارة جديدة والقيام بأعمال البيت والزيارات العائلية.

6. إعادة بناء العلاقات

يخصص الإنسان وقتًا للجلوس مع والديه وأبنائه وزوجته وأقاربه، ويتصل بمن انقطعت أخباره، ويشارك في المناسبات والأنشطة النافعة.

7. المشاركة في خدمة الآخرين

يختار عملًا نافعًا يستطيع القيام به، كإعانة محتاج أو مساعدة جار أو المشاركة في نشاط اجتماعي أو تطوعي. فالمشاركة الواقعية تعيد توجيه الوقت نحو أهداف تتجاوز التسلية الشخصية.

8. مراقبة التقدم دون مبالغة

يسجل الإنسان مقدار استخدامه للهاتف، ثم يقارنه بأدائه في الدراسة والعمل والعبادة والنوم والعلاقات. والمقصود ليس جلد الذات، بل معرفة مواضع الخلل وإصلاحها تدريجيًا.

9. طلب المساعدة عند الحاجة

إذا استمر فقدان السيطرة رغم المحاولات، أو ترتب عليه تدهور واضح في الدراسة أو العمل أو العلاقات، فقد يكون من المفيد الاستعانة بمختص نفسي أو صحي، بحسب طبيعة المشكلة.

الخامس عشر: مسؤولية الوالدين في توجيه الأبناء

ينبغي للوالدين ألا يكتفيا بمنع الأبناء من الألعاب، بل أن يعلّماهم كيف يوازنون بين الترفيه والمسؤوليات.

ومن الوسائل النافعة:

  • الاتفاق على أوقات واضحة للأجهزة بحسب عمر الطفل ومسؤولياته.
  • متابعة المحتوى الذي يشاهده، مع احترام خصوصيته بما يناسب عمره.
  • توفير أنشطة بديلة، كالرياضة والقراءة والرحلات والألعاب الجماعية.
  • تشجيع الأبناء على أداء واجباتهم قبل الترفيه.
  • أن يكون الوالدان قدوة في تنظيم استخدام الهاتف.
  • الحوار الهادئ بدلًا من الاقتصار على الصراخ والعقوبة.

ولا ينبغي أن تتحول الأجهزة إلى وسيلة دائمة لإسكات الطفل أو إشغاله، لأن التربية تحتاج إلى حضور الوالدين وتفاعلهما، لا إلى توفير شاشة تملأ كل وقت الفراغ.

السادس عشر: محاسبة النفس واستعادة الأولويات

على الإنسان أن يسأل نفسه بصدق:

  • كم ساعة أقضي يوميًا في الألعاب ومواقع التواصل؟
  • هل تأخر عملي أو دراستي بسببها؟
  • هل قصّرت في مساعدة أسرتي؟
  • هل انشغلت عن والدي وأرحامي؟
  • هل أصبحت أؤجل الصلاة أو الأعمال الصالحة بسبب الترفيه؟
  • هل أستطيع ترك الهاتف عندما أقرر ذلك؟
  • ماذا أنجزت خلال الأسبوع الماضي مما ينفع ديني ودنياي؟

هذه الأسئلة ليست لإشعار الإنسان بالذنب لمجرد استخدامه التكنولوجيا، بل لمساعدته على اكتشاف الخلل قبل أن تتراكم آثاره.

فالإنسان الذي يحاسب نفسه يستطيع أن يصحح مساره، أما الذي يبرر كل تقصير ويقول دائمًا: «سأبدأ غدًا»، فقد يمر به العمر وهو ينتظر الوقت المناسب للتغيير.

الخلاصة

إن الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل أدوات يمكن أن تحمل النفع والمتعة، لكن الإفراط فيها قد يحوّلها من وسائل في خدمة الإنسان إلى عوائق أمام واجباته وأهدافه وعلاقاته.

فالخطر الحقيقي ليس أن يقضي الإنسان بعض الوقت في الترفيه، بل أن يقضي عمره في الترفيه على حساب ما خُلق من أجله، وأن يهمل بيته ودراسته وعمله وأهله وعبادته، ثم يكتشف أن ما فاته من العمر لا يمكن استرجاعه.

إن الإنسان الواعي هو الذي يملك وقته ولا يسمح لوسائله أن تملكه؛ يستفيد من التكنولوجيا دون أن يستعبد نفسه لها، ويجعل الترفيه جزءًا من حياته لا محور حياته كلها.

فلنجعل لأنفسنا نصيبًا من الراحة، ونصيبًا من العمل، ونصيبًا من العبادة، ونصيبًا من الأسرة والمجتمع؛ فإن الحياة المتوازنة لا تُبنى بكثرة ما نشاهد، بل بما نعمل ونقدّم ونترك من أثر نافع.


تعليقات

المتابعون

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حرز الامام الجواد عليه السلام هو نافع لدفع شر الجن والانس والحسد والشرور الكثيرة

  بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ اللَّهُمَّ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّوحِ وَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ قَاهِرَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ وَ خَالِقَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ مَالِكَهُ كُفَّ عَنَّا بَأْسَ أَعْدَائِنَا وَ مَنْ أَرَادَ بِنَا سُوءاً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ أَعْمِ أَبْصَارَهُمْ وَ قُلُوبَهُمْ وَ اجْعَلْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ حِجَاباً وَ حَرَساً وَ مَدْفَعاً إِنَّكَ رَبُّنَا لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ لَنَا إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا وَ إِلَيْهِ أَنَبْنَا وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ- رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ رَبَّنَا عَافِنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ‏ آخِذٌ بِناصِيَتِها وَ مِنْ شَرِّ مَا يَسْكُنُ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ سُوءٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَ إِلَهَ الْمُرْسَلِينَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ أَ...

احاديث اهل البيت في النفاق

نقلا عن كتاب ميزان الحكمة لريشهري   الإمام علي (عليه السلام) : النفاق يفسد الإيمان .  عنه (عليه السلام): النفاق أخو الشرك. - عنه (عليه السلام): النفاق توأم الكفر ). -  رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن النفاق يبدو لمظة سوداء، فكلما ازداد النفاق عظما ازداد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب . النفاق شين الأخلاق  -  الإمام علي (عليه السلام) : النفاق شين الأخلاق. - عنه (عليه السلام): ما أقبح بالإنسان ظاهرا موافقا، وباطنا منافقا! . - عنه (عليه السلام): ما أقبح بالإنسان أن يكون ذا وجهين! . - عنه (عليه السلام): الخيانة رأس النفاق . علة النفاق    الإمام علي (عليه السلام) : نفاق المرء من ذل يجده في نفسه . - عنه (عليه السلام): النفاق من أثافي الذل . - عنه (عليه السلام):  الكذب  يؤدي إلى النفاق . صفة  المنافق   -  الإمام علي (عليه السلام) :  المنافق  لنفسه مداهن، وعلى الناس طاعن . - عنه (عليه السلام):  المنافق  قوله جميل، وفعله الداء الدخيل . - عنه (عليه السلام):  المنافق  لسانه يسر، وقلبه يضر . - ع...

دُعاء القدحِ عظيمُ الشأنِ مكتوب

  دُعَاءُ الْقَدَحِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ وَ بِاللَّهِ وَ بِاسْمِهِ الْمُبْتَدَإِ رَبِّ الْآخِرَةِ وَ الْأُولَى لَا غَايَةَ لَهُ وَ لَا مُنْتَهَى رَبِّ الْأَرْضِ وَ السَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ. لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ مٰا تَحْتَ الثَّرىٰ. وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفىٰ اللَّهُ عَظِيمُ الْآلَاءِ دَائِمُ النَّعْمَاءِ قَاهِرُ الْأَعْدَاءِ [رَحِيمٌ بِخَلْقِهِ] عَاطِفٌ بِرِزْقِهِ مَعْرُوفٌ بِلُطْفِهِ عَادِلٌ فِي حُكْمِهِ عَالِمٌ فِي مُلْكِهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ رَحِيمُ الرُّحَمَاءِ- عَالِمُ الْعُلَمَاءِ صَاحِبُ الْأَنْبِيَاءِ غَفُورُ الْغُفَرَاءِ قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ سُبْحَانَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْوَاحِدِ الْحَمِيدِ ذِي الْعَرْشِ الْمَجِيدِ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ رَبِّ الْأَرْبَابِ وَ مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ وَ سَابِقِ الْأَسْبَاقِ وَ رَازِقِ الْأَرْزَاقِ وَ خَالِقِ الْأَخْلَاقِ قَادِرٍ عَلَى مَا يَشَاءُ مُقَدِّرِ الْمَقْدُورِ وَ قَ...

بحث حول النفاق

النفاق : هو ان يظهر الانسان شيئا حسنا من عمل او فعل او قول بخلاف ما يضمره في باطنه فالمنافق له حالتان حالة ظاهرية توافقية مع الناس وحالة باطنية تغاير ظاهريته ، وقد اشار امير المؤمنين عليه السلام الى هذا المعنى بقوله( ما أقبح بالإنسان ظاهرا موافقا و باطنا منافقا 1 . وهذه الازدواجية في التعامل ناشئة من دواعي كثيرة في نفس المنافق سيأتي الحديث عنها لاحقا ان شاء الله تعالى . والنفاق تارة يكون في العقيدة كأن يظهر المنافق الإيمان بأصول الدين كالتوحيد والمعاد والنبوة ويظهر التزامه بفروع الدين كالصلاة والصوم ولكنه باطنه يخادع الله ورسوله والناس وما يخادع إلا نفسه قال تعالى ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) 2 وقوله تعالى ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ( 142 ) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا...

بحث حول ( اهمية التوبة )

إن التوبة كالماء الذي ينزل من السماء على الارض الميتة فيكسوها الحياة بعد الممات وكذا القلب التائب بعد أن هيّأ ارضية قلبه -من خلال الندم والتوبة والاستغفار - بأن تكون خصبة صالحة للتطهير والتزكية ما ان تنهمر على قلبه سحائب الرحمة ومفاتيح الرأفة فتحي القلب بالحياة بعد الممات والنور بعد الظلمات واليقظة بعد الغفلة والسبات.  فالقرآن الكريم يِعدّ الغارق في مستنقع الذنوب والكنود انه ميت الأحياء وأنه في ظلمات ليس بخارج منها إلا بالأوبة والنزوع عن الحوبة قال تعالى ( أ َوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ . 1 فالتوبة هي رجوع العبد إلى دوحة الرحمة والعفو والغفران مما فرّط في حق ربه من الذنوب والعصيان ، وأن فتح باب التوبة أمام عباده العاصين وقبولها لهي من أعظم النعم والمنح النازلة من فيض رحمته الواسعة على عباده التائبين روي عن الإمام علي (عليه السلام): من تاب تاب الله عليه وأمرت جوارحه أن تستر عليه، وبقاع الأرض أن تكتم عليه، وأنسيت الحفظة ما كانت تكتب عليه 2 . وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) وقد سمعه معاوية بن وهب يقول : إذا تاب...

بحث حول لقمة الحرام وتاثيرها على قلب المؤمن

لا شك ان هناك علائق وروابط بين الامور المادية والمعنوية بحيث نلاحظ تأثير أحدهما على الآخر فانشراح القلب وانبساطه عامل دفع ومحرك نحو العمل وضيق الصدر وقسوته وظلمته عامل مثّبط للعمل  . وكذلك الكلام في مسالة لقُمة الحرام وتاثيرها الفاعل في تلويث القلب وما لها من الآثار الوضعية على القلب بحيث يعمى القلب عن رؤية الحق واستماع للحق واتباع الحق ومثقلة للعبادات وسالبة للتوفيق   ومن الإشارات إلى هذه النكتة كلام الإمام الحسين عليه السلام مع جيش ابن سعد قبل أن يلتقي المعسكران قال سلام الله عليه ((... وَيْلَكُمْ ما عَلَيْكُمْ اَنْ تَنْصِتُوا اِلَيّ فَتَسْمَعُوا قَوْلي وَاِنَّما اَدْعُوكُم الى سَبيلِ الرَّشادِ فَمَنْ اَطاعَنِي كانَ مِنَ الْمُرْشَدِينَ وَمَنْ عَصانِي كانَ مِنَ الْمُهْلَكِينَ وَكُلُّكُمْ عاصٍ لأمري غَيْرُ مُسْتَمِعٍ لِقَوْلي قَدِ انْخَزَلَتْ عَطِيّاتُكُمْ مِنَ الْحَرامِ وَمُلِئَتْ  بُطُونُكُمْ مِنَ الْحَرام فَطَبعَ اللّهُ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيْلَكُمْ اَلا تَنْصِتُونَ اَلا تَسْمَعُونَ؟... تَبّاً لَكُمْ اَيَّتها الْجَماعَةُ وَتَرَحاً .  1 ولقد ضرب القرآن الكري...