معاني السفيه في القرآن
السَّفِيهُ جَمْعُهُ السُّفَهَاءِ قَالَ الرَّاغِبُ اَلْأَصْفَهَانِيُّ: وَاسْتُعْمِلَ (السَّفَهُ) فِي خِفَّةِ النَّفْسِ لِلنُّقْصَانِ فِي اَلْعَقْلِ وَفِي اَلْأُمُورِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ وَالْآخِرَةِ.( ()
وقد استعمل القرآن الكريم مفردتي السفيه والسفاهة في مواضع متعددة، وسياقات مختلفة، وسنعرضها وفق ما تناولته الآيات القرآنية.
السفيه في عرف الفقهاء
قال تعالى:
﴿ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾() وقال ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾().
فإذا كان الشخص لا يحسن التصرف في ماله، ويكون عرضه للتلف والضياع بسبب سوء تدبيره، عُدَّ في اصطلاح الفقهاء سفيهًا، وإن كان بالغًا ويحسن التصرف في سائر شؤون حياته. ولذلك يُحجر على ماله، ويتولى وليه إدارة شؤونه المالية، والإنفاق عليه من ماله في المأكل، والمشرب، والملبس، بالحق والاعتدال، مع صيانة أمواله من الضياع والتبذير، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ ﴾ إِلَى أَنْ يُصْبِحَ رَشِيدًا فَيُدْفَعُ حِينَئِذٍ إِلَيْهِ مَالُهُ.
السَّفَاهَةُ فِي اَلْأَخْلَاقِ وَاَلْإِنسَانِيَّةِ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾()
فحين يطمس الإنسان عقله وإنسانيته، ويتبع الجهل والعادات والتقاليد والعصبية في قتل أولاده، خوفًا من الفقر أو العار، أو يحرم نفسه مما رزقه الله، فقد سفه نفسه، واستصغر عقله، واستبدل الذي هو خير بالذي هو أدنى، قال تعالى: ﴿ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾() وقال تعالى ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ () وقال ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [58] ﴿ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾()وقال ﴿ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾()
السَّفَاهَةُ فِي إِيثَارِ اَلكُفْرِ عَلَى اَلْإِيمَانِ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾() وقال عزوجل ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾().
فعندما يؤثر المرء الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، والكفر على الإيمان، والعمى على البصيرة، والضلال على الهدى، فقد باء بالخسران العظيم، وذلك هو السفيه حقًّا؛ لأنه لم ينتفع بنور عقله، وأعرض عن الهدى بسوء اختياره، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
وبسبب شقاق السفهاء، وجدالهم، ولجاجهم، وإعراضهم عن طاعة الأنبياء والصالحين، ينزل البلاء، قال عز وجل:﴿ وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾() وقال سبحانه ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾()أي يقول على الله قولًا بعيدًا كل البعد عن الحق.
ولذلك يصف القرآن الكريم فرعون بأنه غير رشيد؛ لما اتصف به من الاستكبار في الأرض، وادعاء الربوبية، ومحاربة موسى عليه السلام، وهي أعمال لا تؤول إلا إلى الهلاك. كما وصف قومه بأنهم عطّلوا عقولهم، فاستطاع أن يستخفهم ويستذلهم، قال تعالى ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾() ﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾()
فهؤلاء انقلبت عندهم الحقائق والموازين، فأصبحوا يرون الحق باطلًا، والباطل حقًّا، ويجادلون في الحق بغير علم ولا حجة ولا برهان، ثم يتهمون أهل الصلاح والعقول بالسفاهة، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾[ 8] ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ () وقال ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾[66] ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾[()] وقال تعالى﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾().
إذن، يتبين من خلال هذه الآيات أن السفهاء هم الذين يعدلون عن الحق، ويؤثرون الأدنى على الأعلى، ويتهمون أهل الحق بالسفاهة، مع أنهم المتلبسون بها؛ لأنهم عطّلوا عقولهم، وانحرفوا عن طريق الهدى، فأصبحوا يتخبطون في ظلمات الأفكار المنحرفة،
والعقائد الباطلة، كما قال تعالى:﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾()
تعليقات
إرسال تعليق