أكلُ الأموالِ بالباطِلِ
تمهيد
إنَّ مصاديق أكل الأموال بالباطل تكاد لا تُحصى، وتتعدد مواردها وسبلها، لذا نقتصر على ما ورد في القرآن الكريم حتى لا نسهب في الكلام.
فقد وردت آيات كثيرة تنهى عن أكل الأموال بالباطل، بمعنى أن المستولي على هذه الأموال والآكل لها لا يستحقها، وهي خارجة عن ملكيته شرعًا، وإن وضع يده عليها وعدَّها من ماله، فالادعاء لا يحل الحرام، ولو تزيَّن بالباطل، ولا يحول الباطل حقًا.
ومن الآيات قوله تعالى: ﴿ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ﴾( )
فهذا نهي واضح وصريح عن أكل أموال الناس بالباطل بصورة عامة، أما مصاديقه ـ كما أسلفنا ـ فهي كثيرة، يصدق عليها عنوان أكل الأموال بالباطل، كأكل الأموال باسم الدين على يد الأحبار والرهبان، والشعوذة، والغش في التجارة، والتطفيف في الميزان، وأكل مال اليتيم، والربا، وغير ذلك.
ونحاول أن نذكر بعض الموارد المحرمة في أكل أموال الناس بالباطل، التي نهى الله تعالى عن أكلها، وتوعد آكلها بالعقاب.
المطلب الأول: أكل الأموال بالباطل من قبل الأحبار والرهبان
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾().
وكان كثير من الربانيين والأحبار يرون قومهم يأكلون السحت، فلا ينهونهم عن ذلك، لأنهم كانوا يسلكون المنهج نفسه في أكل الأموال بالباطل، ولكن بوسائل مختلفة، قال تعالى: ﴿ وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [62] ﴿ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ()
المطلبُ الثانيُ: أكلُ الرِّبا:
الربا هو الزيادة، وهو قسمان: الأول: ما يكون في المعاملة. والثاني: ما يكون في القرض، وهو محرم شرعًا؛ لما يترتب عليه من آثار خطيرة على الأفراد والمجتمع، حيث تتكدس الأموال لدى الطبقة الغنية، ويجري استغلال الطبقة الفقيرة، وينعدم التعاون والإحسان، وتنشأ الأحقاد وروح الانتقام في المجتمع.
وكان الربا منهيًا عنه في الشرائع السابقة، قال تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [160] ﴿ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ().
ولما بزغ نور الإسلام تصدى لهذه الآفة الخطيرة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ()، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ()
وقد كان المرابون يدَّعون كذبًا أن الربا كالبيع، فلا حرمة في تعاطيه في معاملاتهم، حتى يبرروا لأنفسهم أكل أموال الناس بالباطل، فرد القرآن على دعواهم، وكشف زيفها، وتوعدهم بالنار إن لم ينتهوا، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾( )
ووعد الله تعالى المرابين بمحق أموالهم التي اكتسبوها من الربا، فلا يبارك فيها، ولا تنمو عنده سبحانه، وإنما الذي يربو ويزكو هو الصدقات، قال تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ()، وقال: ﴿ وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾( )
ومن يطَّلع على أحوال المرابين وظروفهم يتأكد من مصداقية القرآن في محق الربا، فإن كثيرًا منهم، مع مرور الوقت، يفقدون أموالهم، ويبتلون بشتى أنواع البلايا؛ بسبب أكلهم أموال الناس بالباطل.
ولا تزال هذه الآفة منتشرة انتشارًا واسعًا في البلاد الإسلامية، فضلًا عن غيرها، ولا سيما في كثير من البنوك الحكومية والأهلية، حيث يجري التعامل بالربا بصورة اعتيادية، وتحت غطاء قانوني، غير مبالين بالنهي الإلهي، ولا بالوعيد، ولا بالعقاب الأليم.
المطلبُ الثالثُ: أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ:
ومن موارد أكل المال بالباطل: أكل مال اليتيم بغير حق، وإن من أكل مال اليتامى ظلمًا فقد اجترح إثمًا كبيرًا، قال عز وجل: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ ()
والحوب الكبير هو الإثم العظيم الذي يتسبب في العقاب الأليم، الذي بينه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ ()
وقد أكدت آيات كثيرة على ضرورة حفظ أموال اليتامى حتى يبلغوا الرشد، ثم تدفع إليهم أموالهم من دون نقيصة، بل نهى القرآن عن الاقتراب منها خشية الوقوع في محذور أكلها بالباطل، قال تعالى: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ﴾ ()، وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ ()، وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ ()
وقد اعتنت الشرائع الإلهية قبل البعثة النبوية وبعدها باليتامى، وحثت على وجوب مداراتهم، وإعانتهم، والإنفاق عليهم، وقد أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل بالإحسان إلى اليتامى، ومن الآيات التي أشارت إلى ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ … ﴾ ()، وقوله: ﴿ مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ () وقوله: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ () وقوله سبحانه: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ﴾ ().
وقد نهى القرآن الكريم عن دفع اليتيم بالعنف، أو نهره، أو قهره ولو بكلمة قاسية، وأمر بالإصلاح له في معيشته ومعاشرته، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾ ( )وقال تعالى: ﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ ()، وقال عز وجل: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ﴾ ()
فكيف بمن قهر اليتيم بأكل ماله بغير حق؟ فلا ريب أنه ارتكب حوبًا كبيرًا، واجترح إثمًا عظيمًا، واستحق بذلك عذابًا أليمًا، إلا أن يتوب إلى ربه قبل نزول الموت، ويرد الحق إلى ذويه.
تعليقات
إرسال تعليق