مفهومُ الكِبْرِ وَالمُتَكَبِّرِينَ فِي القُرْآنِ
قالَ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِهِ: وَالكِبْرُ وَالتَّكَبُّرُ وَالاستكْبَارُ تَتَقَارَبُ، فَالكِبْرُ الحَالَةُ الَّتِي يَتَخَصَّصُ بِهَا الإِنسَانُ مِنْ إِعْجَابِهِ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ أَنْ يَرَى الإِنسَانُ نَفْسَهُ أَكْبَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَعْظَمُ التَّكَبُّرِ هو التَّكَبُّرُ عَلَى اللَّهِ بِالْاِمْتِنَاعِ مِنْ قَبُولِ الحَقِّ وَالإِذْعَانِ لَهُ بِالْعِبَادَةِ. ()
إن من أكثر المواضيع تطرقا وتحذيرا وتشديدا في القرآن الكريم، هو موضوع الكبر والمتكبرين، حيث ذكر القرآن جملة من أسماء المتكبرين وسرد نعوتهم ومواقفهم ولجاجهم وعنادهم وأفعالهم وإفسادهم وأخلاقهم واستكبارهم وكيدهم ومكرهم وكذبهم وافترائهم وعاقبة أمرهم.
ولا ريب أن هذا السرد الكثير فيه حكم ودروس وعبر، كالحذر من آفة الكبر، وأن هذا الداء يردي ويخزي ذويه، ويحول بينهم وبين قبول الحق والانصياع إليه.
وأن المبتلى بداء العظمة يضحي بآخرته ويؤثر الجحيم على النعيم، ولا يتخلى عن كبريائه وغروره، ولا يذعن لآيات الله تكبرا، ويزداد إصرارا في استكباره، وعلوا في الأرض بفساده وإسرافه، ومجابهة الحق وأهله، وتغرير حزبه ليكونوا من أمثاله، وعونا له في إفساده كإبليس ونظائره.
إذًا، فلا عذر للإنسان بعد النذر وإقامة الحجة والبينة، قال تعالى﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ()
ونظراً لوقوع التكبر في قضايا متعددة نُحَاوِلُ تَلْخِيصَهَا فِي جُمْلَةٍ مِنَ العُنْاوينِ.
التَّكَبُّرُ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ
إن من أشرف مفاخر الأنبياء العبودية لله تعالى، لأن بها تتحقق الغاية المنشودة من خلق الانسان ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ()
ولذا يصفهم القرآن في مواضع متعددة بعباد الله، قال تعالى﴿ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ ()وقال ﴿ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [79] ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ () وقال ﴿ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾[120] ﴿ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ ()وقال ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾. ()
ومن مظاهر التكبير: أن يستنكف الإنسان عن عبادة الله أو يؤثر عبادة غيره، قال تعالى﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾() وقال تعالى ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ ()وقال ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ﴾() وقال ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ﴾() وقال ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾()
التَّكَبُّرُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
من سمات العبادة لله تعالى الطاعة له والامتثال لأمره، وبطاعته يهتدي الإنسان وتنزل عليه الرحمة والمغفرة، وبمعصيته يكون الخسران والخذلان، قال تعالى﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ () وقال ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ()
وعلى العبد أن يطيع وفق ما أراد معبوده في الصغيرة والكبيرة، فيما يعلم وفيما لا يعلم، وبعبارة واضحة ومختصرة: أن يسلم لله تسليما مطلقا، وليس وفق ما تملي عليه نفسه ويقتنع به﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ()
فإذا تكبر المخلوق عن طاعة خالقه ومعبوده فقد عبد هواه وضل ضلالا بعيدا، لأنه سينسج سلوكا وفكرا منحرفا ويسلك طريقا عوجا، ثم يأخذ بالجدال والسجال والارتياب والانكباب على زخارف الدنيا الفانية.
إبليس أول من عصى وتكبر
يعد إبليس اللعين مثالا سيئا لداء التكبر والمتكبرين، فقد كان أول من تكبر وعصى وأبى الامتثال لأمر الله بالسجود لآدم (عليه السلام)، فخرج عن طاعة الرحمن وسقط في وحل العصيان، قال تعالى﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ()وقال ﴿ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ ()
سبب سقوط وفشل إبليس
وإن ما أوصله إلى هذه النهاية المخزية هو الإعجاب والغرور بالنفس، حيث كان يرى نفسه أفضل وأكمل من آدم (عليه السلام)، فأبى السجود بغرور وتكبر، قال عز وجل﴿ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾[32] ﴿ قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ()وقال تعالى ﴿ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ 75] ﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ()
نتائج العصيان والاستكبار
وبعصيانه وتكبره استحق الطرد واللعنة والصغار، والهبوط من الجنة، وأخرج منها مذموما مدحورا، قال تعالى(قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾[34] ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ()وقال ﴿ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ ()وقال ﴿ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. ()
إن سرد هذه النتائج المخزية وتبيينها في كتاب الله حتى يتعظ أولو الألباب ويأخذوا منها الدروس والعبر، ولا يقعوا بما وقع به إبليس من العصيان والكبر.
ولذلك جاء القرآن محذرا من اتباعه والسقوط في أشراكه، قال تعالى﴿ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ ﴾ ()وقال ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ()
كفران إبليس
فلا يكفي أن يزعم المرء الإيمان بلسانه، بل عليه أن يثبته بانقياده وطاعته، وإلا كان إيمانه دعوى تكذبها أفعاله، وهكذا كان إبليس. فمع إقراره بربوبية الله، إلا أن تكبره واعتداده بنفسه أوقعاه في شرك العناد والجحود، كما قال تعالى﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. ()
فلا يكفي أن يؤمن العبد بوجود الله، بل عليه أن يؤمن بعدله وحكمته وينصاع لأمره دون تردد أو معارضة. وإنما كان كفر إبليس في إنكاره عدل الله وحكمته، وفي مقارنته الفاسدة بين نفسه وآدم، إذ قال معترضا﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾. ()
ويكشف أيضا بأنه كان يعتقد بأن الله تعالى قد ظلمه حينما فضل آدم عليه، فلذلك أخذته العزة بالإثم وتعاظم على أمر الله، مع إيمانه بأن وراءه يوما عصيبا ومصيره إلى الجحيم قال تعالى( قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (). قال تعالى﴿ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [94] ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ ()وقال ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ()
فكم من متكبر يعاند الحق وهو يعلمه؟ وكم من جاحد يجحد العدل وهو يبصره؟ فلا يكفي أن يعرف الإنسان الحق، بل عليه أن يتبعه دون تكبر وعناد، وإلا كان مصيره كمصير إبليس وحزبه، فهذا مصير من يتكبر على طاعة الله، ويتبع هواه، ويعبد الشيطان ويتولاه، قال تعالى﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ()
التكبر على آيات الله
ومن أنواع التكبر التي ذكرت في كتاب الله هو التكبر على آيات الله، قال تعالى ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴾ ().
سواء كانت هذه الآيات في الآفاق أو في الأنفس أو في المعجزات أو في الآيات القرآنية، فمن يجحدها ويكذب بها ويعرض عنها فهو من المتكبرين، قال تعالى﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (). وقال تعالى ﴿ وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ().وقال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ ()وقال ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ ()وقال ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ()وقال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ()
وما أكثر نظراء هؤلاء في كل زمان، يقتاتون من مائدة الله، ويرون آياته في أنفسهم وفي الآفاق، وعلموا أن ما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله) هو الحق، لكنهم يكذبون ويجحدون استكبارا في أنفسهم، ويسعون إلى إعماء الناس وإضلالهم وصدهم عن الحق، قال تعالى﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ()
التكبر بالإفساد في الأرض
ومن مصاديق التكبر والاستعلاء الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل، وقد ذكر القرآن تكبر فرعون وقارون وهامان، وإفسادهم في الأرض بغير حق﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ () وقوله تعالى ﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾[] وقال ﴿ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ () وقال ﴿ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ ()
وقد أفسد قوم شعيب في الأرض بعد إصلاحها بسبب تكبرهم وطمعهم، قال تعالى﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[ 85].. ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ ()
التكبر على الناس
ومن الكبر المذموم الذي نهى القرآن عنه هو التكبر على الناس، وله أمثلة عدة، كالتكبر بالمال، والحسب، والنسب، والجمال، والأولاد، والمكانة، والعلم، وغير ذلك.
وكل واحدة من هذه الأمراض كفيلة بأن تسقط الإنسان وترديه إلى أسفل السافلين، ولذلك ورد التحذير والوعيد من هذا الداء الخطير، قال تعالى﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ () وقال ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ ()
وهكذا يظهر لنا أن التكبر لا يقف عند كونه خلقًا ذميمًا، بل هو سبب للهلاك في الدنيا والآخرة، كما تؤكد آيات الله المحكمة، وتجارب الطغاة في التاريخ.
تعليقات
إرسال تعليق