مفهوم السُّخريَّةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ فِي القُرْآنِ
السخرية نوع من الاستهزاء، وقيل: إن كان الغرض من الفعل التقليل من شأن الآخر أو الانتقاص مما يتعلق به، فهو استهزاء، قال تعالى﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ()
أما إذا كان الغرض منه الإذلال والإخضاع، فهو سخرية؛ لأن السخرية في أصل معناها تدل على جعل الشيء تابعًا ومقادًا.
ومن الشواهد القرآنية على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ )() وقوله تعالى ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾()
والسخرية قد تكون بالفعل، أو بالكلام، أو بالإشارة، وقد تكون مذمومة إذا كانت ابتدائية يقصد بها احتقار الآخرين والانتقاص منهم، بينما تكون مشروعة إذا جاءت على سبيل المقابلة والجزاء لمن بدأ بالسخرية والاستهزاء.
ومن الشواهد القرآنية على ذلك قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۚ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ()
وَقَدْ وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَة :ِ أَنَّ " أَبَا عَقِيلٍ الْأَنْصَارِيَّ " هَذَا العَامِلُ الفَقِيرُ وَالْمُؤْمِنُ كَانَ يَسْهَرُ اللَّيْلَ فِي حَمْلِ المَاءِ مِنْ آبارِ " المَدِينَةِ " إِلَى البُيُوتِ وَيَسْتَوْفِي أَجْرَهُ بِتُمِيرَاتٍ، ثُمَّ يَأْتِي بِهَذِهِ التَّمِيرَاتِ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فِي غَزْوَةِ " تَبُوكٍ " عَلَى أَنَّهَا مُسَاعَدَةٌ لِجَيْشِ الإِسْلَامِ، فَيَتَلَفَّتُ الْمُنَافِقُونَ المُسْتَكْبِرُونَ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُ، فَتَنْزِلُ آيَاتٌ مِنَ القُرْآنِ لَهَا وَقْعُ الصَّاعِقَةِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ()
ومن الآيات التي تشير إلى السخرية المقابلة قوله تعالى على لسان نوح عليه السلام مع قومه: ﴿ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴾ ()
ومن خلال تتبع الآيات التي تناولت مسألة السخرية، نلاحظ أنها وقعت من ثلاث جهات:
الجهة الأولى: السخرية المقابلة أو المشروعة:
وهي التي تكون جزاءً ومقابلة لسخرية صدرت من الكفار أو المنافقين، وليست ابتداءً بالعدوان أو الانتقاص.
الجهة الثانية: السخرية المذمومة:
وهي التي تصدر من الكفار والمنافقين والفاسقين، حيث يسخرون من آيات الله، وأنبيائه، وعباده المؤمنين.
وإن أكثر من تعرض للسخرية كما ذكر القرآن الكريم هم الأنبياء ومن آمن معهم؛ بسبب تعالي الجاهلين وتكبرهم، إذ كانوا ينظرون إليهم بعين الاستصغار والاحتقار. ولعل نبي الله نوحا عليه السلام كان من أكثر الأنبياء تعرضا للسخرية، لطول المدة التي قضاها في دعوة قومه وكثرة جداله لهم في الحق، حتى أصبحت السخرية منه ومن دعوته سلوكا متأصلا في قومه.
قال تعالى: ﴿ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ) () وقال﴿ قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ()
كما سخروا من أتباعه المؤمنين، واحتقروهم بسبب ضعف حالهم في نظرهم، فقالوا(وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ [27] ....) وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ ()
إن التعالي والتكبر يقودان إلى ازدراء الآخرين وتحقيـرهم والاستهزاء بهم، والتقليل من شأنهم. وقد دخل موسى الكليم على فرعون يدعوه إلى الحق، فلما رآه فرعون استخف به وقال:
﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ﴾ ()
فالسخرية والاستهزاء ابتداءً من أخلاق المتكبرين الذين لا يقبلون من يخالفهم أو ينصحهم، فيجعلون السخرية وسيلة لرد الحق وإهانة أهله. قال تعالى:﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾[109] ﴿ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾ ()
ولقد عانى النبي ﷺ وأصحابه من سخرية قريش واستهزائها حين شعرت بخطر الدعوة على مصالحها ومكانتها، فاتخذت السخرية وسيلة لصرف الناس عن النبي ﷺ وتشويه دعوته. قال تعالى:﴿ وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ ()وقال ) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ()
وقد كانت عناية الله سبحانه تحيط بالنبي ﷺ في مسيرته الإصلاحية ودعوته الإلهية، لعلمه تعالى بما يتعرض له من السخرية والأذى، فثبته ونصره وأظهر الحق على يديه، وَلِذَا تَكَفَّلَ بِالقَضَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ الشَّرَذَمَةِ ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾()
تتفاوت مواقف الناس أمام آيات الله في الكون والآيات التي تجري على أيدي الأنبياء والأولياء بين القبول والرفض، والجذب والدفع؛ فالمؤمن يتلقاها بإجلال وتأمل، فتوقظ قلبه وتهديه إلى سواء السبيل، بينما يتعامل معها المتكبر بالعناد والاستكبار والسخرية والاستهزاء، قال تعالى: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾[ 12] ﴿ وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾ [13] ﴿ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾() وقال ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا﴾()
الجهة الثالثة: السخرية المذمومة بين المؤمنين
وهي السخرية التي تقع بين أفراد المجتمع المؤمن، حيث يسخر بعضهم من بعض، وقد نهى الله تعالى عنها صراحة بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ﴾ ().
ولا يخفى ما تخلّفه السخرية من آثار سلبية في حياة الناس؛ فهي تورث الضغائن، وتقطع أواصر المحبة، وتؤدي إلى النفور والتفكك في العلاقات الاجتماعية والأسرية والأخوية، فضلًا عن كونها مخالفة لأمر الله تعالى.
ومن دوافع الاستهزاء الجهلُ؛ ولذلك استعاذ موسى عليه السلام بالله أن يكون من الجاهلين عندما ظن قومه أنه أراد السخرية منهم في أمر البقرة، فقال تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ ﴾ ()
إن الاستهزاء بالحق وأهله يترتب عليه آثار خطيرة وعواقب وخيمة، وقد يكون سببًا لنزول العقوبات الإلهية، قال تعالى﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾() وقال تعالى ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾()
ومن صور الجزاء الإلهي لأهل الطغيان والعصيان: الإمهال والاستدراج، حيث يُمدّ لهم في أسباب الدنيا حتى يزدادوا غفلةً وطغيانًا، ثم يؤاخذون بما قدمت أيديهم، جزاءً لاستهزائهم بآيات الله وتعاليمه، واستخفافهم بالمؤمنين، وانشغالهم بالباطل واللهو والإعراض عن الحق، قال تعالى﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾()وقال سبحانه الله) يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾() وَفِي تَصْوِيرٍ بَلِيغٍ لِاسْتِهْزَائِهِمْ، قال تعالى﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾()
وبذلك يتضح من خلال الآيات القرآنية أن السخرية نوعان من حيث المجال: سخرية تتعلق بالعقيدة، وهي التي تصدر من الكافرين والمنافقين تجاه آيات الله ورسله والمؤمنين، واستهزاؤهم بالعذاب الموعود؛ وسخرية تتعلق بالأخلاق والمعاملات، وهي التي قد تقع بين المسلمين، وقد نهى الله عنها في كتابه الكريم لما تسببه من أذى وفساد في العلاقات بين الناس ﴿ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾.()
أَمَّا فِي الْأَخْلَاقِ فَهِيَ السُّخْرِيَةُ التي قد تقع بَيْنَ بَعْض المسلمين وَالَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا فِي كِتَابِهِ.
تعليقات
إرسال تعليق