الزينةُ والتزينُ في القرآنِ الكريمِ
الزِّينَةُ: هي الزَّخْرَفَةُ وتجميلُ الشيء وتحسينُه.﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ ()
وقد زيَّن الله تعالى السماء الدنيا بالكواكب والمصابيح، قال تعالى﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ () وقال ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ﴾() وقال ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾()
وخرج قارون مفتخرًا ومعجبًا بزِينته وثروته وماله، وما لديه من مظاهر الزخرفة والترف، فجعلها وسيلة للفخر والاستكبار، قال تعالى﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ()
وتُعَدُّ الحياة الدنيا للإنسان ميدانًا للاختبار والابتلاء، وما على الأرض من زينة إنما جُعلت للامتحان؛ ليظهر من خلالها طريق الطاعة أو طريق العصيان، قال تعالى﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ()
ولا شك أن هذه الزينة لا بد أن تتصف بالجاذبية والتغرير، وإلا لما كانت موضع ابتلاء وتمحيص؛ إذ لا معنى لاختبار الإنسان بأمورٍ لا تميل إليها نفسه ولا تنجذب إليها فطرته.
ولذلك عبّر القرآن الكريم عن بعض وجوه الزينة بالشهوات؛ لأن النفس تهواها وتميل إليها، قال تعالى﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۚ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ()
والزينة في حدّ ذاتها ليست محرّمة على الإنسان إذا كانت طريقًا للتكامل، واستُعملت باعتدال، وكانت من سبل الحلال؛ فقد قال تعالى﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[21]وقال ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾()
والملاحظة الجديرة بالذكر والاهتمام في هذا المقام أن القرآن الكريم، كما ذكر كثيرًا من مصاديق الزينة التي تكون محلّ تمحيص وابتلاء، فقد تعرّض أيضًا إلى الجهات التي تُزيِّن للإنسان وتدعوه إلى التعلّق بها، وفيما يأتي بعض الآيات التي تبيّن جملةً من المصاديق والجهات التي تُزيّن للإنسان.
التزيينُ الإلهيُ
فَمِنَ الآيَاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ ()
ذهب صاحب تفسير “الأمثل” إلى أنَّ المُزَيِّنَ في هذه الآية هو الله تعالى، فقال: إنَّ بعض المفسرين يرون أنَّ هذه المشتهيات من عمل الشيطان الذي يزيّنها في أعين الناس، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ وأمثالها، إلا أنَّ هذا الاستدلال لا يبدو صحيحًا؛ لأنَّ الكلام في هذه الآية لا يتعلّق بالأعمال، وإنما يتعلّق بالأموال والنساء والأبناء.
والتفسير الذي يبدو أقرب هو أنَّ الله تعالى هو الذي زيَّن للناس هذه الأمور عن طريق الخَلْق والفطرة والطبيعة الإنسانية؛ إذ جعل حبَّ الأبناء والثروة مركوزًا في جبلة الإنسان، ليختبره بذلك، ويسير به في طريق التربية والتكامل، كما قال تعالى﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ()
فالله تعالى لا يريد من هذا التزيين إلا الخير والتكامل للإنسان إذا واجه هذه الزينة بالتقوى وقوة الإيمان، وجعلها وسيلةً للطاعة لا سببًا للغفلة والانحراف.
ومن الآيات قوله تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ ().
فالآية ظاهرة في أنَّ الله تعالى زيَّن للكافرين أعمالهم، فأصبحوا يرونها حسنةً بسبب العمى الذي أصاب بصائرهم نتيجة كفرهم، قال تعالى (أوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ().
وهذا التزيين هو تزيينٌ عقابي بسبب الإعراض عن الله تعالى، وليس تزيينَ ابتلاءٍ واختبار، وهو من أعظم العقوبات الإلهية التي تنال الكافرين والمتجبرين والعاصين؛ لأنهم يبقون في عمى وضلال، ويرون أنفسهم في أفضل حال، ويعتقدون أن أعمالهم حسنة لا يشوبها نقص، قال تعالى﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾() وقال تعالى ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾()وقال (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾()
على عكسِ مَن أرادَ اللهُ به خيرًا، فإنَّهُ يُبَصِّرُهُ بعيوبِهِ وسيِّئاتِهِ، ويبتليهِ بحكمتِهِ بما يشاءُ، أو يُلقي في رَوعِهِ زوالَ الدنيا وقِلَّةَ متاعِها، وبقاءَ الآخرةِ وكثرةَ نعيمِها، حتى يتوبَ إلى ربِّهِ. قال تعالى﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ()
التَّزيينُ الشَّيْطَانِيُّ
قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾() وقال ( تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾()
ويُعَدُّ الشيطانُ العدوَّ اللدودَ للإنسان، ويستعملُ كلَّ إمكانيّاتهِ وقدراتِهِ في سبيلِ إضلالِهِ وهلاكِهِ. ومن أساليبِهِ الخطيرةِ والقذرةِ تزيينُ الأعمالِ السيِّئةِ للإنسان، فيراها حسنةً ويدافعُ عنها بكلِّ شدَّةٍ، بسببِ العمى والاغترارِ واتباعِ الهوى وطاعةِ الشيطان.
وقد اتَّضحَ الفارقُ بين تزيينِ اللهِ عزَّ وجلَّ للإنسانِ وتزيينِ الشيطان؛ فتزيينُ اللهِ تعالى يكونُ لتمييزِ الخبيثِ من الطيِّب، وبلوغِ الكمالِ ونيلِ الدرجاتِ، أو يكونُ عقوبةً لأصحابِ الضلالِ بسببِ إعراضِهم، بخلافِ تزيينِ الشيطانِ فإنَّهُ يُوردُ الإنسانَ مواردَ الهلاكِ والخسرانِ. قال تعالى﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾()
التَّزيينُ المُرْتَبِطُ بِالأَصْنَامِ
قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ()
فإنَّ نسبةَ التزيينِ إلى الأصنامِ تعودُ إلى أنَّ شدَّةَ تعلُّقِهم بها وحبَّهم لها كانت تقودُهم إلى ارتكابِ هذه الجريمةِ النكراءِ.
إنَّ الأصنامَ، بما لها من تأثيرٍ في قلوبِ المشركين، وبما تغلغلَ فيها من حبٍّ وهميٍّ في نفوسِهم، كانت سببًا في تزيينِ الوهمِ لهم، حتى بلغَ بهم الأمرُ أن يقتلوا أولادَهم، ويجعلوهم قربانًا يتقرَّبونَ به إلى آلهتِهم.
وينبغي الالتفاتُ إلى ملاحظةٍ في غايةِ الأهميَّة، وهي أنَّ الأصنامَ في الآيةِ هي مِصداقٌ من مصاديقِ التزيينِ الذي يُوقعُ الإنسانَ في المهالكِ والضلالِ، فيرى القبيحَ حسنًا، والنقصَ كمالًا، والضلالَ هدايةً.
وبذلك يتَّضحُ أنَّ هناك أصنامًا مادِّيَّةً ومعنويَّةً تُعبدُ من دونِ الله، وتُزيِّنُ للإنسانِ أعمالَهُ السيِّئةَ، فيراها حسنةً، ويظنُّ أنَّ له عندَ اللهِ الحُسنى﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ ()
تعليقات
إرسال تعليق