- مَفْهُومُ المَدِّ الإِلهي فِي القُرْآنِ
قد يفهم البعض للوهلة الأولى عند النظر إلى عنوان المدّ الإلهي أنه يختص بالشريحة المؤمنة، حيث يمدّهم الله تعالى بالنصر والتأييد والتوفيق والتسديد في مجالات لا حصر لها في الحياة الدنيا، لكن عند النظر والتتبع في الآيات القرآنية يتضح جليًّا أن المدّ الإلهي عنوان عام في القرآن وسنّة إلهية تشمل المؤمن والكافر على حدٍّ سواء، فلا اختصاص بأحد الطائفتين دون الأخرى، ويتضح ذلك من خلال الآيات الآتية، قال تعال﴿ كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ().
فمن دون أن يُمدَّ المؤمن بالعناية الإلهية والرعاية الربانية، فهو عاجز عن بلوغ الكمال، ونيل المراتب العليا، والتخلص من الشرك والضلال، والنجاة من شتى البلايا.
فالفقر مكتوب على ناصيته، والحاجة ملازمة له في جميع أحواله وتنقلاته، قال تعالى﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ ()
إن التصريح بالمدّ الإلهي للمؤمن في الآية الكريمة إنما هو لكي لا يتكئ على قواه، ولا يعتمد على ذاته، وحتى يتبرأ من حوله وقوته، ويستند في جميع شؤونه إلى قوة الله وحوله؛ فهو الموفق لكل خير، والمنجي من كل شر.
وفي الوقت نفسه، لكي يزداد إيمانًا بربه، ويعلم أن هناك قوة غيبية تمدّه بالعطاء والنصر، ولا تتخلى عنه ولا تخذله عند الشدائد، ولا تسلمه للنوازل، بشرط التحلي بالصبر والتقوى، قال تعالى ﴿ بَلَى ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾()
والله تعالى لا يصدف عن عباده الذين يستغيثون به، ويلجؤون إليه في البأساء والضراء وحين البأس، قال سبحانه ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ ()
فالمدد الإلهي للمؤمنين لا حدود له في الفضل والعطاء؛ فهو تعالى يمدّهم بالقوة والعزيمة والسكينة والطمأنينة والغلبة على المردة، قال تعالى﴿ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانُ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ﴾ ().
فما آتاني الله من مدده في الملك والسلطان خيرٌ من هديتكم التي تمدونني بها لاستمالتي.
وأما ذكر المدّ الإلهي للكافر، فلكي لا يظن أنه غالب في معصيته لإرادة الله، أو أن فعله للمعاصي والعلو في الأرض بمعزل عن إرادة الله وقدرته، أو أنه نال المال والبنين والسلطة والتمكين بغير تدبير من الله الحكيم؛ وإنما أمدّه الله تعالى بحكمته، حتى يزداد عمىً وغيًّا، قال تعالى﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾[55] ﴿ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾() وقال عزّ وجلّ ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾() وقال تعالى ﴿ قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ۚ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾()
ولا ريب أن في المدّ الإلهي حِكَمًا كثيرة، ومن حكمته تعالى أن يبتلي عباده بالنعم؛ لينظر أيشكرون ويحسنون، أم يكفرون ويعصون؟ وهل يوقّرون الله أم يستهينون به؟ وفي الوقت نفسه تكون الحجة عليهم أبلغ وأكد، ولعلهم يتقون. قال تعالى﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾() وقال ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾() وقال تعالى ﴿ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾[ 11]﴿ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾[ 12] ﴿ مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾() وقال تعالى ﴿ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ﴾[ 132] ﴿ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾[ 133] ﴿ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾()
ولم يقتصر القرآن على ذكر المدّ الإلهي، بل ذكر أيضًا مدّ الشياطين الذين يمدّون الكافرين والمجرمين بالوساوس، حتى يقودوهم إلى الغيّ والضلال، قال تعالى﴿ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴾ ()
أما الله تعالى فيمدّ عبده المؤمن بالتوفيق والتسديد إذا مسّه طائف من الشيطان، حتى يتذكر ويبصر، قال تعالى﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ ()
تعليقات
إرسال تعليق