المَرأَةِ في القُرآنِ
المطلب الأول: الدفاع عن المرأةِ
لا شكَّ أنَّ المرأة تُشكِّل ركيزةً أساسيةً في بناء الأسرة والمجتمع، وتؤدي دورًا مهمًّا في مختلف مجالات الحياة، داخل الأسرة وخارجها.
وليس بمقدور الرجل أن يؤدي أدوار المرأة في الأسرة والمجتمع مهما بلغت إمكاناته، كما لا يمكن
للمرأة أن تحلَّ محلَّ الرجل في جميع أدواره، فلكلٍّ منهما وظائفه التي تقتضيها فطرته وطبيعته، وهما يتكاملان في أداء رسالة الحياة، والتكامل بينهما ضرورة فطرية وسنة إلهية في الخلق.
إنَّ نظام الكون قائم على هذا التوازن والتكامل الذي أودعه الله تعالى في خلقه، والإخلال به يؤدي إلى الاضطراب والفساد، ويخلُّ باستقرار الأسرة والمجتمع.
وقد كانت المرأة في العصر الجاهلي، قبل البعثة النبوية الشريفة، ترزح تحت نير الاضطهاد والاستغلال والانتقاص من كرامتها، فكانت تُحرم من الميراث، وتُسلب كثيرًا من حقوقها، ويُستغل جسدها وعقلها، بل كانت تُعدُّ عند كثير من العرب عارًا وثقلًا على أسرتها، حتى أصبح وأد البنات عادةً منتشرةً لا تُستنكر عند أكثرهم، خشية العار أو السبي في الحروب والغارات بين القبائل.
فلما بزغ نور الإسلام أعاد للمرأة كرامتها، وأثبت إنسانيتها، وحفظ حقوقها، وأوجب معاشرتها بالمعروف، وجعلها عنصرًا فاعلًا في الأسرة والمجتمع.
وقد زخرت آيات القرآن الكريم بما يؤكد تكريم المرأة، وصيانة حقوقها، والحث على حسن عشرتها، وسنذكر فيما يأتي نماذج من الآيات القرآنية التي تبين عناية الإسلام بها، وكيف حفظ كرامتها، وصان حقوقها، ورفع منزلتها.
- حرمة وأد البنات وقتل الأولاد
قال تعالى:
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾()
وقال سبحانه:
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.()
وقد تقدَّم أنَّ وأد البنات كان من العادات الشائعة في الجاهلية، فجاء الإسلام ليقضي على هذه الظاهرة البشعة، ويقتلع جذورها، من خلال ترسيخ قيم الرحمة والمودة وصلة الأرحام، وإبطال المعتقدات الفاسدة التي كانت تنظر إلى البنت نظرة ازدراء.
ولم يكتف القرآن الكريم بتحريم هذا الفعل، بل أنكره أشد الإنكار، وصوَّره تصويرًا يهزُّ الضمير الإنساني، حين يجعل الموءودة تُسأل يوم القيامة: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾، وهو سؤال للتوبيخ والتقريع لقاتلها؛ لأنها لم ترتكب ذنبًا يستوجب قتلها، وإنما كان جرمها الوحيد أنها وُلدت أنثى.
وبذلك أبطل القرآن الكريم الاعتقاد الجاهلي الذي كان يعدُّ البنت عارًا وثقلًا على أهلها، وأثبت أنَّ كرامة الإنسان لا ترتبط بجنسه، وإنما هي كرامة منحها الله تعالى لجميع بني آدم.
حرمة قَتل الأَولادِ
قال سبحانه:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾().
وقال عز وجل:
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ().
وقال سبحانه:
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. ()
ومن أبشع العادات المستهجنة التي كانت شائعة في الجاهلية قتل الأولاد، إمّا خوفًا من الفقر والإملاق، وإمّا تقرّبًا إلى الأصنام والأوثان، فجاء الإسلام فحرّم هذه الجريمة، وحذّر منها بأوضح الآيات القرآنية.
فليس الفقر ولا خشية الإملاق مبررًا لقتل الأولاد، فإن الله سبحانه هو المتكفّل بأرزاقهم وأرزاق آبائهم، كما قال تعالى:
﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ.()
فالأولاد نعمةٌ من الله تعالى، ورزقهم مضمونٌ من خالقهم، قال سبحانه:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾. ()
- المرأة والرجل سواء في الكرامة الإنسانية
ومن العادات الجاهلية التي كانت متجذرة في الجزيرة العربية، ولا تزال بعض آثارها باقيةً عند بعض المجتمعات، الاعتقاد بأفضلية الذكر على الأنثى.
فلما جاء الإسلام بيّن أن لكلٍّ من الرجل والمرأة دوره ووظيفته في الحياة، ولكلٍّ منهما حقوقٌ وواجبات، وأنهما جناحان متكاملان في بناء الأسرة والمجتمع.
وإن قوامة الرجل على المرأة لا تعني الأفضلية في الكرامة الإنسانية، وإنما هي مسؤولية شرعية لإدارة شؤون الأسرة، بما كلّفه الله تعالى به من واجبات، فلا تدل على انتقاص المرأة ولا على تفضيل الرجل من حيث الإنسانية والكرامة.
وقد خاطب القرآن الكريم الرجل والمرأة معًا في كثير من الآيات، فجعل التكليف والثواب والعقاب شاملًا لهما على حدٍّ سواء، فقال تعالى:
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُمْ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾. ()
وقال عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ()
- الدفاع عن كرامة المؤمنة المحصنة
ثم حرّم الله تعالى في كتابه المجيد رمي المحصنات المؤمنات بالزنا وسائر التهم الباطلة، وتوعّد من يقترف ذلك بأشدّ الوعيد؛ لما يترتب عليه من انتهاك للأعراض، وهتك للكرامة، وتشويه للسمعة، وإشاعة للفاحشة، وإفساد لبنية المجتمع الإسلامي.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. () وقال سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ()
- حرمة مضايقتها
قال تعالى:
﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. ()
فإذا نهى الله تعالى عن مضارة المطلقة والتضييق عليها، فالزوجة التي لا تزال في عصمة زوجها أولى بحسن المعاشرة، وصيانة الحقوق، والبعد عن كل ما يلحق بها الضرر أو الأذى.
- تفضيل المرأة المؤمنة على المشركة
قال تعالى:
﴿وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾. ()
ومن الواضح أن التفضيل هنا ليس راجعًا إلى المال أو الجمال أو النسب، وإنما إلى الإيمان؛ لأن الإيمان هو معيار الكرامة عند الله تعالى، ولذلك كانت المرأة المؤمنة خيرًا من المشركة، مهما أعجبت الناس بظاهرها.
فالإيمان يدعو إلى الجنة، أما الشرك فيدعو إلى النار.
قال تعالى:
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۚ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ()
- تحريمُ إِكْرَاهِ الْإِمَاءِ عَلَى الْبِغَاءِ
قال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾. ().
كانت بعض الإماء تُكرَه على البغاء طلبًا للكسب المادي، فجاء القرآن الكريم فحرَّم هذا الفعل تحريمًا قاطعًا، صيانةً لكرامة المرأة، وحفظًا لعفتها وشرفها، وإبطالًا لما كان سائدًا من صور الاستغلال والامتهان، فأثبت للمرأة حقها في صيانة نفسها، ومنع استغلالها بأي صورة من الصور.
تعليقات
إرسال تعليق