الصلاة في القرآن
قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.(1)
وردت مفردة الصلاة في أكثر من ستين آية، وكلها جاءت معرفة، ولم ترد نكرة؛ لشيوعها وتعيُّنها ومعرفتها بين الأمم.
ومن شواهد القرآن قوله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾.(2)
وهذه الآية المباركة جاءت بعد ذكر أوصاف وخصائص جملةٍ من الأنبياء.
وقال تعالى:﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.(3)
وقال تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا، وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.(4)
وقال سبحانه على لسان عيسى عليه السلام:
﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ، وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾.(5)
وقال تعالى:
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾.(6)
إذًا، فلا شك أن تشريع الصلاة كان منذ القدم مع الأمم؛ لأهميتها وعظمتها، إذ تعبِّر عن هوية الإنسان المسلم، وعلاقته الوثيقة بربه.
قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.(7)
وتمثل الصلاة المصداق الأسمى والأكمل في إظهار العبودية لله تعالى؛ ولذلك يجدِّد العبد بها عبوديته لله في كل يوم، فيقول في صلاته:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.(8)
وإن أول ما أوصى الله تعالى به نبيه عيسى عليه السلام، بعد إقراره له بالعبودية، هو الصلاة.
قال تعالى:
﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.(9)
أما الإشارة إلى إقامة الصلاة فقد وردت بصيغ متعددة، وللمفرد والجمع، والمذكر والمؤنث، بما يربو على ثلاثين موضعًا قرآنيًا.
قال تعالى:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾.(10)
وقال تعالى:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.(11)
وقال تعالى:
﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.(12)
وقال سبحانه:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.(13)
والمراد من إقامة الصلاة أعمُّ من مجرد أدائها؛ فهي تشمل إقامتها بمقدماتها، وآدابها، وشروطها، وأوقاتها، وحضور القلب فيها، والخشوع، والأنس بها.
قال تعالى:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.(14)
وقال سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.(15)
وقال:
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.(16)
وقال تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.(17)
وإن للصلاة لذةً روحيةً لا يشعر بها إلا أهلها من عباد الله المؤمنين، الذين لا يؤثرون عليها أيَّ أُنسٍ أو لذةٍ أخرى.
ولذلك تجدهم يعظمونها، ويجلُّونها، ويحافظون على آدابها؛ لعلمهم بجلالة قدرها، وأنها أقرب وسيلة تقربهم من ربهم، فينالون بها الحظوة والزلفى عنده.
قال عز وجل:
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.(18)
وقال سبحانه:
﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.(19)
والصلاة تمنح العبد العزة، والهمة، والعزيمة، والإيمان، في مواجهة الفراعنة والطغاة.
فحينما أمر الله تعالى موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون، قال لهما: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.(20)
أي: لا تضعفا عن ذكري؛ لأن ذكره تعالى يورث الطمأنينة والحزم أمام الجبابرة، وإن أجلَى صور الذكر هي الصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾(21)
وقال عز وجل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.(22)
وموقفٌ آخر: حينما بعث الله نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وأنزل عليه القرآن، وما فيه من ثقل دعوة التوحيد، وما سيواجه من فراعنة زمانه من التكبر والطغيان، أمره تعالى بملازمة صلاة الليل حتى ينال من هذا الارتباط والاتصال الروحي العزيمة والإصرار، قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾.(23)
وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بضرورة الاستعانة بها عند الشدائد والمكاره؛ لأنهاتُلهمهم العزيمة والطمأنينة، وتزيدهم إيمانًا، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.(24)
ومن كان خاشعًا في صلاته، فذاك الذي ذاق حلاوتها، وعرف بين يدي مَن يقف، ونال بذلك الخشوع والخضوع والتواضع والمسكنة لله تعالى؛ لأنه سبحانه يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.(25)
فالصلاة ذكرٌ لله، وذكره حياةٌ للقلوب، وسكينةٌ للروح، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.(26)
والنفس المطمئنة هي التي تنقلب مسرورة، وترجع إلى ربها راضيةً مرضيةً، وتدخل النعيم المقيم، قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.(27)
والصلاة سمة الهداة، وعلامة التُّقاة، الذين بشَّرهم ربهم بالفلاح، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ… أُولَئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾،(28) وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.(29)
أما من جهل فضلها، وقيمتها، وأبعادها، وآثارها، وبركاتها، فلا شك أنه يُقصِّر فيها، ويصاب بالخمول والكسل تجاهها، أو يستهزئ ويسخر بمكانتها، كما فعل قوم شعيب، فقالوا لنبيهم: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾.(30)
وبعد الوقوف على بعض خصائصها، ومميزاتها، وآثارها العظيمة الكثيرة، فلا شك أن من استخف بقدرها، وزهد فيها، ولم يؤدِّها، فقد قطع صلته بربه، وعرَّض نفسه للحرمان والخسران، وحجب عنها خيراتها وبركاتها، واستحق العقاب، ونال الخذلان.
والعبد ينال من بركتها وآثارها على قدر اهتمامه بها؛ فكلما حافظ على أوقاتها وشروطها، وكان قلبه حاضرًا، وخشوعه حاصلًا، استمطر الخير من ربه، ونال الحظوة والقرب عنده، واستُجيبت دعوته، قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.(31)
فإذا كان الكدح على العيال، الذي يُعدُّ من أشرف العبادات، لا يكون مانعًا أمام هؤلاء الرجال عن ذكر الله وإقامة الصلاة في أوقاتها، فمن باب أولى ألَّا تشغلهم المسائل اللغوية والعبثية؛ لأنهم يعلمون أنهم سيُسألون عنها يوم تتقلب القلوب والأبصار، ولذلك فهم مشفقون من ذلك اليوم العصيب.
فالمحافظة على شروط الصلاة، ومقدماتها، وكيفيتها المطلوبة، وتوقيرها وتعظيمها في النفس، وصيانتها في الفعل، هي التي تنهى مقيمها عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.(32)
فليس كلُّ مصلٍّ، بالضرورة، تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، بل إن بعضهم قد استخفَّ بدماء الأبرياء، وانتهك أعراض النساء، واعتدى على الحرمات والمقدسات، وفعل أشنع المنكرات وأقبح الموبقات؛ لأنه لم ينهل من بركاتها، ولم يقف على أسرارها، ولم يستطعم حلاوتها؛ لاستخفافه بها، ومن استخفَّ بها استخفَّ بغيرها، مع التسليم بأدائها ظاهرًا.
فالأداء الظاهري، من دون أثر فعلي صالح، ونهيٍ عن الفواحش، هو قشرٌ بلا لُبٍّ، وصورةٌ بلا معنى، وصلاةٌ كهذه لا تُثمر تقوى، ولا تنهى عن منكر.
فالصلاة تمتاز بمزايا تمنع صاحبها من اقتحام الفواحش وارتكاب المنكرات، إذا ما تفاعل معها، وانسجم معها، وتأثر بها، حتى تؤثر فيه، وتحصنه من المعاصي.
أما من اعتبر الصلاة مجرد طقوس يومية، وتكليف مفروض، ويأتي بها بكسل، وإدبار قلب، أو خشية من العقاب، أو ملامة الأصحاب والأحباب، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.(33)
فهذه الصلاة، بهذه الكيفية، سيُحرم صاحبها من ثمارها، وبركاتها، وآثارها الكثيرة، نتيجة سوء تعامله مع هذه الفضيلة، وزهده بهذه الكرامة والرحمة الإلهية التي حباها الله تعالى لعباده المؤمنين، مع أنه سبحانه غنيٌّ عن صلاتهم.
1-سورة طه:14
2- (سورة الأنبياء: 73)
3-+(سورة إبراهيم: 37).
4-سورة يونس: 87)
تعليقات
إرسال تعليق