وتُعدُّ مسألة حبط الأعمال من المسائل التي تناولها القرآن الكريم بوضوح وصراحة في مواضع متعددة ومناسبات مختلفة، وقد وردت الآيات فيها تارةً للتحذير، وأخرى للتهديد، وثالثةً لبيان مآل الأعمال التي تؤول إلى الإحباط والخسران بسبب أغراضٍ فاسدة ودوافع سيئة.
وسنذكر في هذه الوقفة جملةً من المصاديق والأمثلة التي ذكرها القرآن الكريم في أسباب حبط الأعمال، لتكون ذكرى للذاكرين وموعظةً للمتقين.
موجبات حبط الأعمال
أولًا: معصية الله ورسوله
أمر الله تعالى المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ﷺ، ونهاهم عن كل ما يؤدي إلى إبطال أعمالهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ أَعْمَالَكُمْ﴾().
وكما أن الحسنات تذهب السيئات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾()، كذلك توجد سيئات تُحبط العمل الصالح وتجعله هباءً منثورًا، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾().
ثانيًا: المنُّ والأذى
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا خ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾().
فالمنُّ بالإحسان على الآخرين، وإيذاؤهم بعد الصدقة، من الأسباب التي تُبطل أجر الصدقات وتحرم صاحبها ثوابها.
ومن الملفت أن الإنسان إذا حضره الموت تمنى أن يُمهل قليلًا ليعود إلى الإنفاق والصدقة، ولكن لا تنفعه التمنيات حينئذٍ، قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾().
فعلى المؤمن أن يحافظ على صدقاته من الإحباط والبطلان، فإنها زاده النفيس ليوم القيامة، فلا يحرقها بنار المنِّ والأذى، ولا يفسدها بما يذهب أجرها وثوابها.
ثالثا: الِارْتِدَادُ عَنِ الدِّينِ
قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.()
والآية صريحةٌ في بيان مسألة حبوط أعمال المرتد عن دينه؛ فهو قد خسر دنياه وآخرته بسبب ارتداده بعد إسلامه.
رابعا: النِّفَاقُ
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾.
وكان المنافقون يتسترون بالإيمان، ويجتهدون في تأكيد أيمانهم المغلظة من أجل خداع المؤمنين وتحقيق أهدافهم الشريرة.
فالآية تتوعدهم بحبوط أعمالهم وخسران آخرتهم، قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
خامسا: الشِّرْكُ بِاللَّهِ
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
فالشرك بالله يؤدي إلى حبوط الأعمال والخسران؛ لأن الله تعالى يريد أن يُعبد كما يشاء، لا كما يشاء الناس. فإذا خالفوا أوامره وأشركوا في عبادته فقد زاغوا عن الصراط المستقيم والهدى، وحبطت أعمالهم. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
سادسا: الكُفْرُ بِاللَّهِ
وفي هذا العنوان آياتٌ كثيرة، نذكر منها قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ۚ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.
وإذا حبطت أعمال الكافرين فلا شك أنهم لا وزن لهم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾.
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾.
سابعا: عَدَمُ التَّأَدُّبِ عِنْدَ حَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ، أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
وهذا التحذير والنهي القرآني ينبغي العمل به حتى بعد رحيل النبي ﷺ، فلا يجوز رفع الأصوات عند قبره الشريف إجلالًا له، وتعظيمًا لشأنه، وخشيةً من حبوط الأعمال. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
ثامنا: قَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ وَقَتْلُ الْآمِرِينَ بِالْقِسْطِ
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
ولا يزال الذين يأمرون بالقسط يُقتَلون على أيدي الطغاة، وحكّام الجور، والفسّاق من أهل الدنيا، فلا ريب أن الله تعالى سيُحبط أعمال قاتليهم يوم القيامة، ولن تُغني عنهم زبانيَتُهم، ولا جلاوزتُهم، ولا وعّاظُ السلاطين من الله شيئًا، ولن تنفعهم الألقاب المبتدعة، ولا السيرة الحسنة المصطنعة، بسبب قتلهم المصلحين في الأرض.
تعليقات
إرسال تعليق