التخطي إلى المحتوى الرئيسي

﴿ وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ﴾[ سورة النجم: 34]

من اخلاق وأدبِ نبيِّ اللهِ موسى عليه السلام

 



من اخلاق وأدبِ نبيِّ اللهِ موسى عليه السلام

التواضعُ للعالِمِ

في قوله تعالى: ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾

وهذه المرّة مع نبيٍّ عظيم آخر، هو موسى عليه السلام، فمِنَ المَعلُومِ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ يُعَدُّ مِن أَنبِيَاءِ أُوْلِي العَزمِ، وَقَدِ اصطَفَاهُ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَكَانَ رَسُولا مُخلِصا وَجِيها عند الله.
مَعَ هَذِهِ الأَوسِمَةِ الكَثِيرَةِ والعَظِيمَةِ، وَالمَقَامَاتِ الكَبِيرَةِ، وَالمَسؤُولِيَّاتِ الجَسِيمَةِ، نَرَاهُ يَتَوَاضَعُ بِكُلِّ إِجلَالٍ لِلخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ، حِينَمَا عَلِمَ بِإِحَاطَتِهِ بالعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ وَالغَيبِيَّةِ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا، وَكَانَت خَافِيَةً عَلَى مُوسَى الكَلِيمِ، فالتَمَسَ مِنهُ المُوَافَقَةَ على الاتِّبَاعِ والتَّعَلُّمِ.

وَمِنَ اللَّطِيفِ أَنَّ مُوسَى الكَلِيمَ لَم يُرِد فَقَط مُتَابَعَةَ العَالِمِ لِأَنَّهُ حَرِيصٌ عَلَى وَقتِهِ الثَّمِينِ، بل اشَترَطَ عَلَيهِ أَن يُعَلِّمَهُ شيئًا مِن عِلمِهِ الغَيبِيِّ، حَتَّى يَزدَادَ يَقِينا وَإِيمَانا، قال تعالى﴿ وَقُل رَبِّ زِدنِي عِلما ﴾.

فالمَرءُ، مَهمَا بلغَ مِن المَزَايَا وَالمَعرِفَةِ وَالخِبرَةِ فِي مَجَالَاتٍ عَدِيدَةٍ، وَاختِصَاصَاتٍ فَرِيدَةٍ، لَكِن عِندَمَا يَجهَلُ فِي مَجَالَاتٍ أُخرَى، يَنبَغِي التَّوَاضُعُ لأَهلِهَا، وَالاعتِرَافُ بِجَهلِهِ، وَالسَّعيُ فِي نَيلِهَا، قال تعالى ﴿ نَرفَعُ دَرَجَات مَّن نَّشَاءُۗ وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَلِيم ﴾.

فَإِنَّ المُكَابَرَةَ عَلَى العِلمِ وَالعَالِمِ، لَيسَت مِن دَيدَنِ العَاقِلِ، وَلَا مِن سِمَاتِ الطَّالِبِ الرَّاغِبِ فِي نَيلِ المَقَاصِدِ، وَتَحصِيلِ المَرَاتِبِ العَالِيَةِ، وَالمَقَامَاتِ السَّامِيَةِ، إِنَّمَا المُكَابَرَةُ دَاءٌ عُضَالٌ، يُصِيبُ الجُهَّالَ، فَيَمنَعُهُم مِّن تَحصِيلِ الكَمَالِ.

موسَى الكَلِيمُ الشَّهْمُ المُبَادِرُ

ومن أخلاقِ موسى عليهِ السَّلامُ، يُخَاطِبُ ابنتَي شُعَيْبٍ حينَ رَآهُما عِندَ مَاءِ مَدِينَ فِي مَعْزِلٍ مِنَ الرُّعَاءِ (تَذُودَانِ) أي كانتا تَمْنَعَانِ أَنْعَامَهما مِنَ المَاءِ، لَا تَسْقِيَانها، إِنَّمَا كانتا تَنْتَظِرَانِ اِنْتِهَاءَ
وَخُرُوجَ الرُّعَاءِ بَعْدَ سَقْيِ مَوَاشِيهِمْ )قَالَ مَا خَطْبُكُمَا؟.

وهو سُؤَالٌ طَبِيعِيٌّ يَجُولُ فِي كُلِّ خَاطِرٍ وَضَمِيرٍ حَيٍّ يَنْبِضُ بِالإِنسَانِيَّةِ، وَبنَفْسٍ تَتَحَلَّى بِالْمَرُوءَةِ وَالشَّهَامَةِ وَقَلْبٍ رَحِيمٍ لَا يَرْضَى بِالْحَيْفِ وَالضِّيْمِ حِينَمَا يَرَى إِمْرَأَتَيْنِ مَعَ المَوَاشِي عِندَ السِّقَايَةِ، لَكِنَّهُمَا لَا تَقْتَرِبَانِ مِنهَا وَلَا تَسْقِيَانِ، فَإِنَّهُ سَيُسَارِعُ بِالسُّؤَالِ لِيَسْتَوْضِحَ الحَالَ (قَالَ: مَا خَطْبُكُمَا؟) فَتُجِيبَانِ بِكُلِّ حَيَاءِ وَإجْلالٍ (قَالَتَا: لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرُّعَاءُ.
وَبِسَبَبِ أَنانِيَّةٍ الرُّعَاءِ وَغِلْظَتِهِمْ، لَمْ يُفْسِحُوا المَجَالَ لِهَاتَيْنِ المَرَأَتَيْنِ الضَّعِيفَتَيْنِ للسِّقَايَةِ، فَمَا كَانَ مِنْهُما إِلَّا الاِعْتِزَالُ وَعَدَمُ مُزَاحَمَةِ الرِّجَالِ صِيَانَةً لِلْعَفَّةِ وَزِيَادَةً فِي الاِحْتِشَامِ وَحِفْظًا لِكَرَامَةِ النَّفْسِ مِنَ الإِذْلَالِ.

وَأَنَّ وُرُودَهُما كَأَمْرَتَيْنِ لِلسِّقَايَةِ لَمْ يَكُنْ مِنهُما بَطَرًا وَاخْتِيَارًا، إِنَّمَا حَاجَةٌ وَاضْطِرَارٌ لِكِبَرِ أَبِيهِمَا، وَفَقْدِ اَخٍ معينٍ (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ .

وَمِنَ اللَّطِيفِ أَنَّ مُوسَى عليهِ السَّلامَ لَمْ يَكْتَفِ بِالمُشَاهَدَةِ أَوِ السُّؤَالِ، أَوِ اعْتَرَاهُ التَّراخِي وَالجَفَاءِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الحَالِ، إِنَّمَا بَادَرَ بِكُلِّ قُوَّةٍ واندفاعٍ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَبِّهِ المُتَعَالِي (فَسَقَى لَهُمَا.

ومِنْ هَذِهِ القِصَّةِ الوَاقِعِيَّةِ، دَرْسٌ قُرْآنِيٌّ عَظِيمٌ، جديرٌ أن يُؤخذ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ قالَ عزّ وجلّ (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى.

وذَلِكَ أَنْ يتحلى المُؤْمِنُ بنَظْرَةٍ ثَاقِبَةٍ لِمَا يَدُورُ حَوْلَهُ، وَمَا تَقَعُ عَلَيْهِ عَيْنَاهُ مِنَ الحَوَادِثِ المُلْفِتَةِ وَالمُرِيبَةِ، ابتِغَاءَ إِعَانَةِ الضُّعَفَاءِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِ الفُقَرَاءِ.
فَلَيْسَ مِنَ المَرُوءَةِ غَضُُ الطَّرْفِ، وَاتِّخَاذُ مَوْقِفِ المُتَفَرِّجِ، وَاللَّامُبَالَاةُ عِندَ اِحْتِيَاجِ الآخَرِينَ النَّجْدَةَ وَالمُسَاعَدَةَ، أَوِ تَجَاهُلَ الضَّعِيفِ، أَوِ المِكابَرَةَ وَالْأَنانِيَّةَ كَمَا فَعَلَ الرُّعَاءُ.
وَمِنَ المُلفِتِ أَنَّ مُوسَى عليهِ السَّلامَ لَمْ يَنْتَظِرْ مِنَ المَرَأَتَيْنِ أن تُبَادِرَا فِي طَلَبِ السِّقَايَةِ مِنْهُ، بل كَانَ هُوَ المُبَادِرُ وَالمُتَصَدِّيَ لِذَلِكَ لِشَهَامَتِهِ وَقَلْبِهِ الرَّحِيمِ بِالنَّاسِ، أَمَّا هُمَا فَكَانَ الحَيَاءُ مَانِعًا لَهُمَا عَن طَلَبِ المساعدةِ (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ.
وَقَدْ جَلبَ هَذَا العَمَلُ الصَّالِحُ عَلَى مُوسَى الخَيْرَ الكَثِيرَ الَّذِي قَدْ يَرَاهُ البَعْضُ أَمْرًا يَسِيرًا وَمَقْدُورًا عَلَيْهِ.
فَإِنَّهُ عليهِ السَّلامُ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ مِنْ بَطْشِ المُتَآمِرِينَ عَلَيْهِ لِقَتْلِهِ (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ.
لَكِنَّ اللَّهَ نَجَّاهُ وَآمَنَهُ مِّنْهُمْ (فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ، قَالَ لَا تَخَفْ، نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ.

وَكَانَ مُوسَى عليهِ السَّلامَ يَفْتَقِرُ الى أَبْسَطِ مُقَوِّمَاتِ الحَيَاةِ مِنَ المَطْعَمِ وَالمَشْرَبِ وَالمَسْكَنِ وَالزَّوْجَةِ، لَكِنْ بِبَرَكَةِ الدُّعاءِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَى رَبِّهِ الكَرِيمِ وَبِعِلْمِهِ وَيَقِينِهِ بِأَنَّ رَبَّهُ لَا يَتْرُكُ عَبْدَهُ مَهْمَا تَعَسَّرَتِ الشَّدَائِدُ وَضَاقَتِ عليه الأُمُورُ، فَقَالَ (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ.

بِبَرَكَةِ عَمَلِهِ الصَّالِحِ لِابْنَتَيِ شُعَيْبٍ، جَاءَ الفَرَجُ، وَانْكَشَفَ المَخْرَجُ مِنَ العُسْرِ إِلَى اليُسْرِ وَمِنَ الشِّدَّةِ إِلَى الرَّخَاءِ قَالَ تَعَالَى (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا. وقَالَ عَزَّ وَجَلَّ (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ). وَقَالَ سُبْحَانَهُ (أَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي).
حَيْثُ أَغْنَاهُ اللَّهُ بَعْدَ فَقْرِهِ.

انظُرُوا أَيُّهَا الأَحِبَّةُ، كَيْفَ العَمَلَ الصَّالِحَ، مَهْمَا كَانَ قَلِيلًا، يُنْزِلُ البَرَكَاتِ الكَثِيرَةَ وَيَفِيضُ الخَيْرَاتِ الكَبِيرَةَ، وَالتَّوْفِيقَاتِ الربانية عَلَى فَاعِلِهِ، وَإِنَّ الإِعْرَاضَ عَنْ هَذِهِ الفُرَصِ وَتَجَاهُِلهَا، هُوَ تَفْوِيتُ البَرَكَاتِ وَالخَيْرَاتِ الإِلهِيةِ وَالأَلْطَافِ الرَّبَّانِيَّةِ.

([1]) الكهف: 66
([2]) طه: 114
([3]) يوسف: 76
([4]) القصص: 23
([5]) القصص: 23
([6]) القصص: 23
([7]) القصص: 23
([8]) يوسف: 111
([9]) القصص: 25
([10]) القصص: 21
([11]) القصص: 25
([12]) القصص: 24
([13]) القصص: 25
([14]) القصص: 27
([15]) طه:18

تعليقات

المتابعون

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حرز الامام الجواد عليه السلام هو نافع لدفع شر الجن والانس والحسد والشرور الكثيرة

  بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ اللَّهُمَّ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّوحِ وَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ قَاهِرَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ وَ خَالِقَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ مَالِكَهُ كُفَّ عَنَّا بَأْسَ أَعْدَائِنَا وَ مَنْ أَرَادَ بِنَا سُوءاً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ أَعْمِ أَبْصَارَهُمْ وَ قُلُوبَهُمْ وَ اجْعَلْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ حِجَاباً وَ حَرَساً وَ مَدْفَعاً إِنَّكَ رَبُّنَا لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ لَنَا إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا وَ إِلَيْهِ أَنَبْنَا وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ- رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ رَبَّنَا عَافِنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ‏ آخِذٌ بِناصِيَتِها وَ مِنْ شَرِّ مَا يَسْكُنُ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ سُوءٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَ إِلَهَ الْمُرْسَلِينَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ أَ...

احاديث اهل البيت في النفاق

نقلا عن كتاب ميزان الحكمة لريشهري   الإمام علي (عليه السلام) : النفاق يفسد الإيمان .  عنه (عليه السلام): النفاق أخو الشرك. - عنه (عليه السلام): النفاق توأم الكفر ). -  رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن النفاق يبدو لمظة سوداء، فكلما ازداد النفاق عظما ازداد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب . النفاق شين الأخلاق  -  الإمام علي (عليه السلام) : النفاق شين الأخلاق. - عنه (عليه السلام): ما أقبح بالإنسان ظاهرا موافقا، وباطنا منافقا! . - عنه (عليه السلام): ما أقبح بالإنسان أن يكون ذا وجهين! . - عنه (عليه السلام): الخيانة رأس النفاق . علة النفاق    الإمام علي (عليه السلام) : نفاق المرء من ذل يجده في نفسه . - عنه (عليه السلام): النفاق من أثافي الذل . - عنه (عليه السلام):  الكذب  يؤدي إلى النفاق . صفة  المنافق   -  الإمام علي (عليه السلام) :  المنافق  لنفسه مداهن، وعلى الناس طاعن . - عنه (عليه السلام):  المنافق  قوله جميل، وفعله الداء الدخيل . - عنه (عليه السلام):  المنافق  لسانه يسر، وقلبه يضر . - ع...

دُعاء القدحِ عظيمُ الشأنِ مكتوب

  دُعَاءُ الْقَدَحِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ وَ بِاللَّهِ وَ بِاسْمِهِ الْمُبْتَدَإِ رَبِّ الْآخِرَةِ وَ الْأُولَى لَا غَايَةَ لَهُ وَ لَا مُنْتَهَى رَبِّ الْأَرْضِ وَ السَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ. لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ مٰا تَحْتَ الثَّرىٰ. وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفىٰ اللَّهُ عَظِيمُ الْآلَاءِ دَائِمُ النَّعْمَاءِ قَاهِرُ الْأَعْدَاءِ [رَحِيمٌ بِخَلْقِهِ] عَاطِفٌ بِرِزْقِهِ مَعْرُوفٌ بِلُطْفِهِ عَادِلٌ فِي حُكْمِهِ عَالِمٌ فِي مُلْكِهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ رَحِيمُ الرُّحَمَاءِ- عَالِمُ الْعُلَمَاءِ صَاحِبُ الْأَنْبِيَاءِ غَفُورُ الْغُفَرَاءِ قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ سُبْحَانَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْوَاحِدِ الْحَمِيدِ ذِي الْعَرْشِ الْمَجِيدِ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ رَبِّ الْأَرْبَابِ وَ مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ وَ سَابِقِ الْأَسْبَاقِ وَ رَازِقِ الْأَرْزَاقِ وَ خَالِقِ الْأَخْلَاقِ قَادِرٍ عَلَى مَا يَشَاءُ مُقَدِّرِ الْمَقْدُورِ وَ قَا...

بحث حول النفاق

النفاق : هو ان يظهر الانسان شيئا حسنا من عمل او فعل او قول بخلاف ما يضمره في باطنه فالمنافق له حالتان حالة ظاهرية توافقية مع الناس وحالة باطنية تغاير ظاهريته ، وقد اشار امير المؤمنين عليه السلام الى هذا المعنى بقوله( ما أقبح بالإنسان ظاهرا موافقا و باطنا منافقا 1 . وهذه الازدواجية في التعامل ناشئة من دواعي كثيرة في نفس المنافق سيأتي الحديث عنها لاحقا ان شاء الله تعالى . والنفاق تارة يكون في العقيدة كأن يظهر المنافق الإيمان بأصول الدين كالتوحيد والمعاد والنبوة ويظهر التزامه بفروع الدين كالصلاة والصوم ولكنه باطنه يخادع الله ورسوله والناس وما يخادع إلا نفسه قال تعالى ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) 2 وقوله تعالى ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ( 142 ) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا...

بحث حول ( اهمية التوبة )

إن التوبة كالماء الذي ينزل من السماء على الارض الميتة فيكسوها الحياة بعد الممات وكذا القلب التائب بعد أن هيّأ ارضية قلبه -من خلال الندم والتوبة والاستغفار - بأن تكون خصبة صالحة للتطهير والتزكية ما ان تنهمر على قلبه سحائب الرحمة ومفاتيح الرأفة فتحي القلب بالحياة بعد الممات والنور بعد الظلمات واليقظة بعد الغفلة والسبات.  فالقرآن الكريم يِعدّ الغارق في مستنقع الذنوب والكنود انه ميت الأحياء وأنه في ظلمات ليس بخارج منها إلا بالأوبة والنزوع عن الحوبة قال تعالى ( أ َوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ . 1 فالتوبة هي رجوع العبد إلى دوحة الرحمة والعفو والغفران مما فرّط في حق ربه من الذنوب والعصيان ، وأن فتح باب التوبة أمام عباده العاصين وقبولها لهي من أعظم النعم والمنح النازلة من فيض رحمته الواسعة على عباده التائبين روي عن الإمام علي (عليه السلام): من تاب تاب الله عليه وأمرت جوارحه أن تستر عليه، وبقاع الأرض أن تكتم عليه، وأنسيت الحفظة ما كانت تكتب عليه 2 . وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) وقد سمعه معاوية بن وهب يقول : إذا تاب...

بحث حول لقمة الحرام وتاثيرها على قلب المؤمن

لا شك ان هناك علائق وروابط بين الامور المادية والمعنوية بحيث نلاحظ تأثير أحدهما على الآخر فانشراح القلب وانبساطه عامل دفع ومحرك نحو العمل وضيق الصدر وقسوته وظلمته عامل مثّبط للعمل  . وكذلك الكلام في مسالة لقُمة الحرام وتاثيرها الفاعل في تلويث القلب وما لها من الآثار الوضعية على القلب بحيث يعمى القلب عن رؤية الحق واستماع للحق واتباع الحق ومثقلة للعبادات وسالبة للتوفيق   ومن الإشارات إلى هذه النكتة كلام الإمام الحسين عليه السلام مع جيش ابن سعد قبل أن يلتقي المعسكران قال سلام الله عليه ((... وَيْلَكُمْ ما عَلَيْكُمْ اَنْ تَنْصِتُوا اِلَيّ فَتَسْمَعُوا قَوْلي وَاِنَّما اَدْعُوكُم الى سَبيلِ الرَّشادِ فَمَنْ اَطاعَنِي كانَ مِنَ الْمُرْشَدِينَ وَمَنْ عَصانِي كانَ مِنَ الْمُهْلَكِينَ وَكُلُّكُمْ عاصٍ لأمري غَيْرُ مُسْتَمِعٍ لِقَوْلي قَدِ انْخَزَلَتْ عَطِيّاتُكُمْ مِنَ الْحَرامِ وَمُلِئَتْ  بُطُونُكُمْ مِنَ الْحَرام فَطَبعَ اللّهُ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيْلَكُمْ اَلا تَنْصِتُونَ اَلا تَسْمَعُونَ؟... تَبّاً لَكُمْ اَيَّتها الْجَماعَةُ وَتَرَحاً .  1 ولقد ضرب القرآن الكري...