من اخلاق وأدبِ نبيِّ اللهِ موسى عليه السلام
التواضعُ للعالِمِ
في قوله تعالى: ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾
وهذه المرّة مع نبيٍّ عظيم آخر، هو موسى عليه السلام، فمِنَ المَعلُومِ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ يُعَدُّ مِن أَنبِيَاءِ أُوْلِي العَزمِ، وَقَدِ اصطَفَاهُ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَكَانَ رَسُولا مُخلِصا وَجِيها عند الله.
مَعَ هَذِهِ الأَوسِمَةِ الكَثِيرَةِ والعَظِيمَةِ، وَالمَقَامَاتِ الكَبِيرَةِ، وَالمَسؤُولِيَّاتِ الجَسِيمَةِ، نَرَاهُ يَتَوَاضَعُ بِكُلِّ إِجلَالٍ لِلخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ، حِينَمَا عَلِمَ بِإِحَاطَتِهِ بالعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ وَالغَيبِيَّةِ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا، وَكَانَت خَافِيَةً عَلَى مُوسَى الكَلِيمِ، فالتَمَسَ مِنهُ المُوَافَقَةَ على الاتِّبَاعِ والتَّعَلُّمِ.
وَمِنَ اللَّطِيفِ أَنَّ مُوسَى الكَلِيمَ لَم يُرِد فَقَط مُتَابَعَةَ العَالِمِ لِأَنَّهُ حَرِيصٌ عَلَى وَقتِهِ الثَّمِينِ، بل اشَترَطَ عَلَيهِ أَن يُعَلِّمَهُ شيئًا مِن عِلمِهِ الغَيبِيِّ، حَتَّى يَزدَادَ يَقِينا وَإِيمَانا، قال تعالى﴿ وَقُل رَبِّ زِدنِي عِلما ﴾.
فالمَرءُ، مَهمَا بلغَ مِن المَزَايَا وَالمَعرِفَةِ وَالخِبرَةِ فِي مَجَالَاتٍ عَدِيدَةٍ، وَاختِصَاصَاتٍ فَرِيدَةٍ، لَكِن عِندَمَا يَجهَلُ فِي مَجَالَاتٍ أُخرَى، يَنبَغِي التَّوَاضُعُ لأَهلِهَا، وَالاعتِرَافُ بِجَهلِهِ، وَالسَّعيُ فِي نَيلِهَا، قال تعالى ﴿ نَرفَعُ دَرَجَات مَّن نَّشَاءُۗ وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَلِيم ﴾.
فَإِنَّ المُكَابَرَةَ عَلَى العِلمِ وَالعَالِمِ، لَيسَت مِن دَيدَنِ العَاقِلِ، وَلَا مِن سِمَاتِ الطَّالِبِ الرَّاغِبِ فِي نَيلِ المَقَاصِدِ، وَتَحصِيلِ المَرَاتِبِ العَالِيَةِ، وَالمَقَامَاتِ السَّامِيَةِ، إِنَّمَا المُكَابَرَةُ دَاءٌ عُضَالٌ، يُصِيبُ الجُهَّالَ، فَيَمنَعُهُم مِّن تَحصِيلِ الكَمَالِ.
موسَى الكَلِيمُ الشَّهْمُ المُبَادِرُ
ومن أخلاقِ موسى عليهِ السَّلامُ، يُخَاطِبُ ابنتَي شُعَيْبٍ حينَ رَآهُما عِندَ مَاءِ مَدِينَ فِي مَعْزِلٍ مِنَ الرُّعَاءِ (تَذُودَانِ) أي كانتا تَمْنَعَانِ أَنْعَامَهما مِنَ المَاءِ، لَا تَسْقِيَانها، إِنَّمَا كانتا تَنْتَظِرَانِ اِنْتِهَاءَ
وَخُرُوجَ الرُّعَاءِ بَعْدَ سَقْيِ مَوَاشِيهِمْ )قَالَ مَا خَطْبُكُمَا؟.
وهو سُؤَالٌ طَبِيعِيٌّ يَجُولُ فِي كُلِّ خَاطِرٍ وَضَمِيرٍ حَيٍّ يَنْبِضُ بِالإِنسَانِيَّةِ، وَبنَفْسٍ تَتَحَلَّى بِالْمَرُوءَةِ وَالشَّهَامَةِ وَقَلْبٍ رَحِيمٍ لَا يَرْضَى بِالْحَيْفِ وَالضِّيْمِ حِينَمَا يَرَى إِمْرَأَتَيْنِ مَعَ المَوَاشِي عِندَ السِّقَايَةِ، لَكِنَّهُمَا لَا تَقْتَرِبَانِ مِنهَا وَلَا تَسْقِيَانِ، فَإِنَّهُ سَيُسَارِعُ بِالسُّؤَالِ لِيَسْتَوْضِحَ الحَالَ (قَالَ: مَا خَطْبُكُمَا؟) فَتُجِيبَانِ بِكُلِّ حَيَاءِ وَإجْلالٍ (قَالَتَا: لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرُّعَاءُ.
وَبِسَبَبِ أَنانِيَّةٍ الرُّعَاءِ وَغِلْظَتِهِمْ، لَمْ يُفْسِحُوا المَجَالَ لِهَاتَيْنِ المَرَأَتَيْنِ الضَّعِيفَتَيْنِ للسِّقَايَةِ، فَمَا كَانَ مِنْهُما إِلَّا الاِعْتِزَالُ وَعَدَمُ مُزَاحَمَةِ الرِّجَالِ صِيَانَةً لِلْعَفَّةِ وَزِيَادَةً فِي الاِحْتِشَامِ وَحِفْظًا لِكَرَامَةِ النَّفْسِ مِنَ الإِذْلَالِ.
وَأَنَّ وُرُودَهُما كَأَمْرَتَيْنِ لِلسِّقَايَةِ لَمْ يَكُنْ مِنهُما بَطَرًا وَاخْتِيَارًا، إِنَّمَا حَاجَةٌ وَاضْطِرَارٌ لِكِبَرِ أَبِيهِمَا، وَفَقْدِ اَخٍ معينٍ (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ .
وَمِنَ اللَّطِيفِ أَنَّ مُوسَى عليهِ السَّلامَ لَمْ يَكْتَفِ بِالمُشَاهَدَةِ أَوِ السُّؤَالِ، أَوِ اعْتَرَاهُ التَّراخِي وَالجَفَاءِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الحَالِ، إِنَّمَا بَادَرَ بِكُلِّ قُوَّةٍ واندفاعٍ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَبِّهِ المُتَعَالِي (فَسَقَى لَهُمَا.
ومِنْ هَذِهِ القِصَّةِ الوَاقِعِيَّةِ، دَرْسٌ قُرْآنِيٌّ عَظِيمٌ، جديرٌ أن يُؤخذ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ قالَ عزّ وجلّ (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى.
وذَلِكَ أَنْ يتحلى المُؤْمِنُ بنَظْرَةٍ ثَاقِبَةٍ لِمَا يَدُورُ حَوْلَهُ، وَمَا تَقَعُ عَلَيْهِ عَيْنَاهُ مِنَ الحَوَادِثِ المُلْفِتَةِ وَالمُرِيبَةِ، ابتِغَاءَ إِعَانَةِ الضُّعَفَاءِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِ الفُقَرَاءِ.
فَلَيْسَ مِنَ المَرُوءَةِ غَضُُ الطَّرْفِ، وَاتِّخَاذُ مَوْقِفِ المُتَفَرِّجِ، وَاللَّامُبَالَاةُ عِندَ اِحْتِيَاجِ الآخَرِينَ النَّجْدَةَ وَالمُسَاعَدَةَ، أَوِ تَجَاهُلَ الضَّعِيفِ، أَوِ المِكابَرَةَ وَالْأَنانِيَّةَ كَمَا فَعَلَ الرُّعَاءُ.
وَمِنَ المُلفِتِ أَنَّ مُوسَى عليهِ السَّلامَ لَمْ يَنْتَظِرْ مِنَ المَرَأَتَيْنِ أن تُبَادِرَا فِي طَلَبِ السِّقَايَةِ مِنْهُ، بل كَانَ هُوَ المُبَادِرُ وَالمُتَصَدِّيَ لِذَلِكَ لِشَهَامَتِهِ وَقَلْبِهِ الرَّحِيمِ بِالنَّاسِ، أَمَّا هُمَا فَكَانَ الحَيَاءُ مَانِعًا لَهُمَا عَن طَلَبِ المساعدةِ (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ.
وَقَدْ جَلبَ هَذَا العَمَلُ الصَّالِحُ عَلَى مُوسَى الخَيْرَ الكَثِيرَ الَّذِي قَدْ يَرَاهُ البَعْضُ أَمْرًا يَسِيرًا وَمَقْدُورًا عَلَيْهِ.
فَإِنَّهُ عليهِ السَّلامُ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ مِنْ بَطْشِ المُتَآمِرِينَ عَلَيْهِ لِقَتْلِهِ (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ.
لَكِنَّ اللَّهَ نَجَّاهُ وَآمَنَهُ مِّنْهُمْ (فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ، قَالَ لَا تَخَفْ، نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ.
وَكَانَ مُوسَى عليهِ السَّلامَ يَفْتَقِرُ الى أَبْسَطِ مُقَوِّمَاتِ الحَيَاةِ مِنَ المَطْعَمِ وَالمَشْرَبِ وَالمَسْكَنِ وَالزَّوْجَةِ، لَكِنْ بِبَرَكَةِ الدُّعاءِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَى رَبِّهِ الكَرِيمِ وَبِعِلْمِهِ وَيَقِينِهِ بِأَنَّ رَبَّهُ لَا يَتْرُكُ عَبْدَهُ مَهْمَا تَعَسَّرَتِ الشَّدَائِدُ وَضَاقَتِ عليه الأُمُورُ، فَقَالَ (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ.
بِبَرَكَةِ عَمَلِهِ الصَّالِحِ لِابْنَتَيِ شُعَيْبٍ، جَاءَ الفَرَجُ، وَانْكَشَفَ المَخْرَجُ مِنَ العُسْرِ إِلَى اليُسْرِ وَمِنَ الشِّدَّةِ إِلَى الرَّخَاءِ قَالَ تَعَالَى (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا. وقَالَ عَزَّ وَجَلَّ (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ). وَقَالَ سُبْحَانَهُ (أَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي).
حَيْثُ أَغْنَاهُ اللَّهُ بَعْدَ فَقْرِهِ.
انظُرُوا أَيُّهَا الأَحِبَّةُ، كَيْفَ العَمَلَ الصَّالِحَ، مَهْمَا كَانَ قَلِيلًا، يُنْزِلُ البَرَكَاتِ الكَثِيرَةَ وَيَفِيضُ الخَيْرَاتِ الكَبِيرَةَ، وَالتَّوْفِيقَاتِ الربانية عَلَى فَاعِلِهِ، وَإِنَّ الإِعْرَاضَ عَنْ هَذِهِ الفُرَصِ وَتَجَاهُِلهَا، هُوَ تَفْوِيتُ البَرَكَاتِ وَالخَيْرَاتِ الإِلهِيةِ وَالأَلْطَافِ الرَّبَّانِيَّةِ.
([1]) الكهف: 66
([2]) طه: 114
([3]) يوسف: 76
([4]) القصص: 23
([5]) القصص: 23
([6]) القصص: 23
([7]) القصص: 23
([8]) يوسف: 111
([9]) القصص: 25
([10]) القصص: 21
([11]) القصص: 25
([12]) القصص: 24
([13]) القصص: 25
([14]) القصص: 27
([15]) طه:18

تعليقات
إرسال تعليق